بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 19 فبراير 2016

محاضرة مسائل في العقيدة \\ أنواع التوحيد

P
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد :
فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم أيها الإخوة المستمعون في برنامجنا المتجدد : مسائل في العقيدة، وموضوعنا اليوم –بإذن الله تعالى- سنبحث فيه أنواع التوحيد ثم نركز على النوع الأول منه وهو توحيد الربوبية، وفي مقدمة هذه الحلقة أرحب بضيفنا الكريم فضيلة الدكتور عبدالقادر بن محمد عطا صوفي أستاذ المشارك بقسم العقيدة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية فأهلاً وسهلاً بكم فضيلة الدكتور .
حياكم الله وبارك الله فيكم .
فضيلة الدكتور نريد في بدء هذه الحلقة أن تبين لنا أنواع التوحيد وأقسامه ؟
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
العلماء قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام، ومنهم من قسمه إلى نوعين، لكن التقسيمين يتفقان، فمن قال : إن التوحيد ثلاثة أقسام ينقسم إلى: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات لم يخالف من قسم التوحيد إلى توحيد معرفة وإثبات، وإلى توحيد عملي طلبي، فتوحيد المعرفة والإثبات يدخل فيه النوعان الأولان، يدخل فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، أما التوحيد العملي الطلبي فإنه متعلق بتوحيد الألوهية.
فالتقسيمان -بحمد الله تبارك وتعالى- متفقان، وهذا التقسيم ليس توقيفياً، لكن هذه القسمة استقرائية من خلال تتبع نصوص الكتاب والسنة وجد العلماء أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام، فلو قرأنا أول سورة في كتاب الله –تبارك وتعالى- وهي سورة الفاتحة فإنها قد احتوت هذه الأنواع الثلاثة فـ { الحمد لله رب العالمين } ربوبية { الرحمن الرحيم } أسماؤه –تبارك وتعالى- وصفاته -جل وعلا-، فكل اسم من أسمائه -تبارك وتعالى- يتضمن صفة { إياك نعبد وإياك نستعين } نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة وهذا توحيد الألوهية، وقد أشار شيخنا العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله تبارك وتعالى- إلى هذا الأمر عندما تكلم عن آية في كتاب الله –تعالى- حوت الأنواع الثلاثة، قال في قوله –تبارك وتعالى- : { رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا } { رب السماوات والأرض وما بينهما } توحيد الربوبية { فاعبده واصطبر لعبادته } توحيد الألوهية والعبادة { هل تعلم له سميا} توحيد الأسماء والصفات، فالله –تبارك وتعالى- يُفرد بأسماء وصفات لا يتصف بها أحد من خلقه جل وعلا . هذا يا شيخ بالنسبة لتقسيم التوحيد.
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . إذاً نبدأ بالنوع الأول على حسب التقسيم الثلاثي لأنه هو المشهور والمعروف عند عامة الناس، النوع الأول : توحيد الربوبية، فلنبدأ بتعريفه لغة، ما معنى الرب في اللغة ؟
الرب في اللغة : هو المالك، ويقال : السيد، الصاحب، فإذا قلت : فلان رب الإبل أي مالكها، وهذه الكلمة استعملها عبدالمطلب جد رسول الله –r- عندما خرج إلى أبرهة عندما أتى أبرهة لهدم الكعبة فوجد حول مكة إبلاً ومنها إبل لعبدالمطلب فأخذ الإبل وساقها، فجاء عبدالمطلب يطالبه بإبله، فقال له أبرهة : لما أريتك هبتك وأنت الآن تسألني في إبل ولا تسألني في البيت، قال : أما البيت فللبيت رب يحميه، وأما الإبل فأنا ربها . فالرب يأتي في اللغة بمعنى المالك، والله –تبارك وتعالى- هو مالكنا فهو يتصرف فينا I كيف شاء جل وعلا .
أحسنت . أما تعريف توحيد الربوبية على حسب الاصطلاح ؟
التوحيد هو الإفراد، فإذا قلت : توحيد الربوبية أي إفراد الرب –تبارك وتعالى- بخصائص الربوبية، والعلماء يقولون : الربوبية لها خصائص، وكلمة خصيصة أي لا يشاركه فيها أحد سواه تبارك وتعالى، فهو الخالق جل وعلا ولا خالق سواه، وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت وهو منـزل المطر ومنبت الزرق، وهو المعطي المانع الضار النافع، إلى آخر خصائصه التي يتصرف فيها بعباده تبارك وتعالى كيف شاء، فتوحيد الربوبية إفراد الله بأفعاله، وأفعاله جل وعلا كثيرة، يقول I : { كل يوم هو في شأن } فيرفع ويضع، يحيي ويميت، يعز ويذل، وهذه أفعاله جل وعلا، فإفراده بأفعاله هو توحيد الربوبية سبحانه جل وعلا .
لاشك أن هذا التوحيد له أدلة تدل عليه وتبينه، أنواع هذه الأدلة ابتداء ؟
توحيد الربوبية فطري، فالربوبية مركوزة مغروسة في فطر العقلاء، وكما قال العلماء : لم ينكر توحيد الربوبية أحد من عقلاء بني آدم، بل العقلاء كلهم مجمعون على إثبات أفعال الرب             -تبارك وتعالى- التي يختص بها، بل إن إبليس اللعين يقر ويعترف بتوحيد الربوبية، وإن كان قد امتنع عن امتثال الأمر، يقول : { رب أنظرني إلى يوم يبعثون } فهو يقر بأفعاله –تبارك وتعالى- ويعترف بها، لكن هذا الإقرار –كما سيأتي- لم ينفع إبليس، وهذا الإقرار أقر به فرعون وإن كان هذا الإقرار ليس ظاهراً، بل في باطنه كما قال الله –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه : { وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم } فهو أمر فطري مغروس في الفطرة، والله –تبارك وتعالى- أخبر عن المشركين { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون } فالله -تبارك وتعالى- قد جعل هذا التوحيد في فطر بني آدم، وقد أخبر الصادق المصدوق r أن ((كل مولود يولد على الفطرة))([1]) ، فمن الفطرة التي يولد عليها المولود الإقرار والاعتراف بالخالق الرازق المحيي المميت تبارك وتعالى .
وهناك أدلة شرعية –كما تفضلتم- دلت على هذا النوع من أنواع التوحيد، والقرآن الكريم مليء كما قال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى- مليء بذكر الأدلة على أنواع التوحيد الثلاثة، بل إن آيات القرآن الكريم إما أن تجد أنها خبر عن الله –تبارك وتعالى- وعن خلقه للمخلوقات وعن رزقه لمخلوقاته، وعن إحيائه وإماتته، وعن إعطائه وإنزاله المطر، وإما أن تجد أمراً بعبادته -تبارك وتعالى-، أو إخباراً عن أسمائه وصفاته، فالقرآن الكريم مليء بالأدلة الشرعية التي دلت على هذا النوع من أنواع التوحيد .
إذاً نستطيع فضيلة الدكتور أن نقول : الأدلة تنقسم إلى قسمين .
هي الفطرة هي في حد ذاتها دليل مغروس في فطرة كل إنسان أن الله –تبارك وتعالى- هو خالقه جل وعلا .
والنوع الثاني : هي أدلة موجودة في كتاب الله –تبارك وتعالى- دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فكما تفضلتم .
جزاك الله خيراً . إذاً الآن بودنا أن نعرف طريقة القرآن، هذه الأدلة الشرعية لها طرائق في القرآن الكريم وأساليب في إثبات هذا النوع، فهلا حدثتنا جزاك الله خيراً عن طريقة القرآن في إثبات هذا النوع من التوحيد ؟
 طريقة القرآن هي الطريقة التي سلكها الرسل، وهي بخلاف الطريقة التي سلكها مخالفو الرسل، مخالفو الرسل في هذا الباب في باب توحيد الربوبية يأتون إلى أدلة وأقيسة عقلية في الغالب لا تأتي بالمطلوب، يعني يأتون يقولون : كل محدَث لابد له من محدِِث، كل ممكن لابد له من مرجح، كل حركة لابد لها من علة غائية، لكن القرآن الكريم وجّه الناس إلى النظر في أنفسهم، هذه الأنفس المخلوقة أأنتم خلقتموها أم لها خالق؟!، الله –تبارك وتعالى- يقول في كتابه –I- : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } فهذا دليل عقلي نقلي على إثبات توحيد الربوبية، هذا الدليل وجّه العقلاء إلى النظر في أنفسهم، هذه الأنفس هل هي قد خلقوها هم، متى خلقوها، هل خلقوها عندما كانوا عدماً قبل أن يُخلقوا، هل يكون العدم سبباً في الوجود، أم خلقوها بعد أن خُلقوا، فكيف خُلقوا وخلقوها ؟ فخلقها تحصيل حاصل، لذلك جبير بن مطعم يقول : سمعت رسول الله -r- يقرأ في المغرب أي في صلاة المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية : { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون } يقول : كاد قلبي أن يطير ([2]).
فقوله –تبارك وتعالى- : { أم خلقوا } استفهام إنكاري يقول : U يخاطبهم أَوُجدوا من غير مبدع، فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون، ويعلمون أنهم لم يُكَونوا أنفسهم، وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة نفسها لا يحتاج أن يستدل عليه، فأنا قصدي يا شيخ –بارك الله فيك- أن طريقة القرآن طريقة واضحة بسيطة تختلف عن طريقة المتكلمين الذين سلكوا الأقيسة العقلية وهي لا تؤدي في الغالب إلا إلى نوع واحد من مقصودهم، ولا توصلهم إلى تحقيق المطلوب والمقصود .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . نأتي إلى محور آخر إذا أذنتم لنا صاحب الفضيلة المقرّون بهذا النوع من أنواع التوحيد هل حصل إقرار من قِبل الأمم السابقة بهذا النوع، أو أن هذا نوع خاص بالأمة المحمدية ؟
هذا الأمر يا شيخ –كما أشرت إليه قبل قليل- أمر قد أطبق عليه العقلاء، فالعقلاء مجمعون على الإقرار بتوحيد الربوبية، قلت : إن إبليس اللعين أقر واعترف بهذا النوع من أنواع التوحيد، وقلت بأن فرعون كما قال الله –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه يقول : { وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم } جحدوا بها ظاهراً عندما قال لموسى -عليه السلام- : وما رب العالمين؟! فكان استفهاماً إنكارياً لم يكن فرعون طالب علم هنا يسأل عن الماهية، وإنما كان منكراً جاحداً، لكن هذا الجحود كان ظاهراً، أما حاله فقد كان مقراً بهذا النوع كما قال ربنا –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه : { وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم } كذلك المشركون الذين بُعث فيهم رسولنا -r- كانوا يقرون ويعترفون بهذا النوع من أنواع التوحيد، بل إن إقرارهم مسطر في كتاب الله –تبارك وتعالى-، الله –تبارك وتعالى- ذكر أنهم يقرون بأن الله هو الخالق، هو الرازق، هو المحيي، هو المميت، أنه الذي يدبر الأمر I ، وذكر هذا في آيات كثيرة، وهذا يدل على أن الأمم –كما تقدم- كلهم أطبقوا على الإقرار بهذا النوع من أنواع التوحيد .
لكن يا صاحب الفضيلة هنا سؤال ينقدح في الذهن، كما تعلمون الملاحدة ومن نحا نحوهم وصار في ركابهم أليسوا ينكرون وجود الإله والخالق ؟
نعم يا شيخ، لكن هذا الإنكار –كما قلت- عن فرعون إنكار فرعون كان إنكاراً ظاهراً، أما هم في قرارة أنفسهم يعترفون أن هذه النظريات نظريات بالية، لأنهم يعلمون أن الطبيعة –كما يقولون- أوجدت نفسها بنفسها، لا يمكن للطبيعة أن توجد نفسها بنفسها، بل هم أكرم الخلق الموجودون في هذا الوجود، ومع ذلك لا يمكن لهم أن يوجدوا أنفسهم، فهم في قرارة أنفسهم يعترفون بأن الذي أوجدهم هو الخالق -I- .
أحسنتم . كذلك يا صاحب الفضيلة إقرار الأمم السابقة بتوحيد الربوبية هل كان إقرارا ًعلى ما هو موجود في الدين الإسلامي وما هو مطلوب من العباد ؟
قضية الفطرة أحياناً قد تُحول عن مسارها، أنا كنت أتكلم عن قضية الفطرة، وقلت : بأن الأمر مركوز في فطر العقلاء أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، لكن هذه الفطرة قد تحول قليلاً عن مسارها، ومتى تحول عن مسارها بسبب مؤثرات خارجية، فيأتي دور النصوص الشرعية في تقويمها وفي تسديدها الوجهة الصحيحة السليمة، من أجل ذلك بالنسبة لتوحيد الربوبية تأتي النصوص وتغذي الشيء الموجود في داخل الفطرة، وتزيد فيه ولو كانت الفطرة قد تحولت قليلاً فإنها تعيدها إلى الجادة وإلى الطريق المستقيم .


إذاً يا صاحب الفضيلة نستطيع أن نقول : إقرار الأمم السابقة لتوحيد الربوبية على ما وُجد في فطرها وإن لم يكن إقراراً تاماً صحيحاً على ما طُلب منا في الشريعة الإسلامية ؟
نعم قد يكون عندهم خلل وعندهم تقصير لاشك، فلا يكون تاماً صحيحاً كما طُلب منا الشريعة الإسلامية؛ لأن إقرارهم بتوحيد الربوبية لو كان تاماً صحيحاً لعبدوا الله –تبارك وتعالى- وحده، لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فلو أنهم أتوا به تاماً صحيحاً لعبدوا الله                 -تبارك وتعالى- وحده، لكن حصل عندهم فيه خلل فمن أجل ذلك صرفوا العبادة لغير الله                -تبارك وتعالى- .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . يا صاحب الفضيلة هل الإقرار بتوحيد الربوبية ولو قلنا إقراراً تاماً على النصوص الشرعية هل يكون المسْلم بهذا التوحيد داخلاً في مسمى أهل الإيمان، وأنه يكفي بنجاته من النار ؟
بالنسبة لتوحيد الربوبية وحده لا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية وحده، قد قلت لكم أيها الحبيب قبل قليل : أن إبليس اللعين كان يقر ويعترف بتوحيد الربوبية، لكن الله -تبارك وتعالى- قال عنه وعن من تبعه : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } فالله –تبارك وتعالى- لم يقبل منه توحيد الربوبية وحده، فتوحيد الربوبية لا يُقبل وحده، التوحيد هو بناء، وتوحيد الربوبية بمنزلة الأساس للبناء، لكن من وضع الأساس يطالب بأن يبني البناء أن يقيم البناء حتى يسمى بناءً، فإن لم يأت بتوحيد الألوهية فلا يعد مسلماً، لأن الإسلام هو أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وأيضاً فرعون –كما قلت لكم قبل قليل- كان مقراً في باطنه بتوحيد الربوبية، لكن لم ينفعه هذا الإقرار، فمصيره معلوم يوم القيامة، كذلك حال مشركي الأمم ممن كانوا قبل الإسلام، وممن بُعث فيهم رسولنا -r- كانوا مقرين بتوحيد الربوبية لكن هذا الإقرار لم ينفعهم، بل كان يقول لهم رسولنا -r- : (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) فلم يأتوا بتوحيد الألوهية التي تلزمهم؛ لأنهم أتوا بتوحيد الربوبية قبلها، والله -تبارك وتعالى- يقول : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } فأثبت لهم إيماناً بتوحيد الربوبية، لكن هذا الإيمان لم ينفعهم، فبقي اسمهم كما قال الله -تبارك وتعالى- سماهم مشركين { إلا وهم مشركون } فالشرك واقع في توحيد الألوهية عندهم، فلا ينفع توحيد الربوبية وحده .
جميل . إذاً نستطيع أن نخلص إلى أن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي وحده لإدخال الإنسان في مسمى الإسلام الحقيقي ؟
لا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية وحده لإدخال الإنسان في مسمى الإسلام الحقيقي .
إذاً كذلك نريد التوضيح أكثر للمستمع من يفسر لا إله إلا الله بقوله : لا خالق إلا الله ؟
هذه -شيخ- يرد عليه باللغة وبالعقلي وبالمنطقي، بل بعض المتكلمين يقولون : أن الغاية من بعثة الرسل توحيد الربوبية بناء على عدم تفريقهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والواقع أن هناك فروقاً متعددة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فعندما تقول : لا إله، الإله في اللغة : المعبود، والخالق له معنى آخر، وأهل اللغة يقولون : اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فكيف نجعل لا خالق إلا الله بمعنى لا إله إلا الله، أو لا معبود بحق إلا الله -تبارك وتعالى- ؟ فلاشك أن هذا القول ليس مُسَلماً لهم، بل لو كان القول –أيها الحبيب كما تفضلتم- لو كان لا خالق إلا الله أو لا إله إلا الله هي معنى لا خالق إلا الله، لماذا قاتل رسول الله -r- المشركين، وقد كانوا يقرون بالخالق { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } فلماذا قاتلهم ؟ لاشك أنهم لم يحققوا توحيد الألوهية فليس معنى لا خالق إلا الله ليست بمعنى لا معبود بحق إلا الله، فكل جمل تختلف عندهم .


جميل . أحسنتم . بارك الله فيكم . كذلك يا صاحب الفضيلة لو حدثتنا عن الفروق بين توحيدي الربوبية وتوحيد الألوهية ؟
نعم . أحسنتم يا شيخ بارك الله فيكم . لأنك بذكر هذه الفروق تتضح المسألة التي أشرتم فضيلتكم إليها قبل قليل وهي : لا خالق إلا الله من جعلها بمعنى لا إله إلا الله أو لا معبود إلا الله، لو بدأنا بكلمة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وضعنا توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية في كفتي ميزان لرأينا أن الربوبية كلمة ربوبية في أصلها مشتقة من كلمة رب، ورب قد تقدم أن معناها المالك المتصرف وسيد، فليست بمعنى توحيد الألوهية إله، لأن إله في اللغة المعبود المطاع، فليس المالك بمعنى المعبود، فهذا فرق أول في الاشتقاق، فاشتقاق كلمة ربوبية عن كلمة ألوهية، كذلك في معنى التوحيد عندما نقول : توحيد الربوبية إفراد الله –تبارك وتعالى- بالربوبية أي بأفعاله               -I- التي يختص بها جل وعلا، بخلاف توحيد الألوهية التي نطالب العباد بإفراد أفعالهم وجعلها لله -تبارك وتعالى- وحده، فهي إفراد الله -تعالى- بأفعال العباد، ففرق بين إفراد الله بأفعاله وإفراد الله بأفعال عباده، فهذا فرق آخر، وقد أشرتم -بارك الله فيكم قبل قليل- إلى الكفاية، هل يكفي توحيد الربوبية؟ وقلت : إنه لا يكفي، بينما توحيد الألوهية يكفي؛ لأنه يتضمن توحيد الربوبية، فمن أتى بتوحيد الألوهية فقد أتى قبلاً بتوحيد الربوبية، والله -تبارك وتعالى- عندما خاطب المشركين في أول سورة البقرة يقول سبحانه : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم } قال في آخر الآية : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } ماذا تعلمون؟ تعلمون أن الله -تعالى- هو الذي خلقكم، وهو الذي خلق من قبلكم، وهو الذي جعل الأرض فراشاً والسماء بناء وهو الذي أنزل من السماء ماء وهو الذي أخرج من الثمرات رزقاً لكم لا تجعلوا لله –تعالى- أنداداً، بمعنى أفردوه بأفعالكم كما تعلمون أنه الخالق الرازق I ، فمن أتى بتوحيد الربوبية لزمه أن يأتي بتوحيد الألوهية، ومن حقق توحيد الألوهية فلاشك أنه قد أتى ضمناً بتوحيد الربوبية، من أجل ذلك يقول العلماء : توحيد الألوهية يكفي، أما توحيد الربوبية فلا يكفي، إذ ثمة علاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية تسمى عند العلماء علاقة الاستلزام والتضمن، وقد أشار إليها في كتبهم كثير من علماء أهل السنة –رحمهم الله تعالى وحفظ أحياءهم- تكلموا عن هذه المسألة وبينوا أن العلاقة بين النوعين علاقة استلزام وتضمن، فيقولون : توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وهناك فروق أخرى .
هو في فروق أخرى الآن في إقرار، وهناك في فروق أخرى أيضاً فهناك فرق في الإقرار، وقد قلت لكم قبل قليل أن المشركين أقروا بتوحيد الربوبية، لكنهم لم يقروا بتوحيد الألوهية، ولو كان توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية –كما ذكرت لكم أيها الفاضل- فلماذا قاتل رسول الله –r- المشركين، لو كان هذا بمعنى هذا، فدل على أن توحيد الربوبية يختلف عن توحيد الألوهية، إذاً نستطيع أن نلخص كلامنا في الفروق بأن توحيد الربوبية يختلف عن توحيد الألوهية في أمور كثيرة منها : في الاشتقاق، ومنها في التعريف، ومنها في العلاقة التي بين النوعين، فالأول الذي هو الربوبية يستلزم الألوهية الثاني، بينما الثاني يتضمن الأول، وفي الكفاية: الربوبية لا يكفي، أما الألوهية لأنه يتضمن فإنه يكفي، وفي الإقرار فالإقرار قد أقر المشركون بتوحيد الربوبية لكنهم لم يقروا بتوحيد الألوهية، وهناك فروق أخرى نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرد المسلمين جميعاً إلى دينهم، وأن يوفق القائمين على هذا البرنامج، جزاكم الله كل خير  .
أحسنتم . وبارك الله فيكم . وجزاكم الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خيراً على ما بينتم وأوضحتم للإخوة المستمعين في هذا الباب المهم أولاً من حيث التقسيم لأنواع التوحيد، وثانياً من بيان توحيد الربوبية وأهم المسائل التي تدور في هذا الباب .
في ختام حلقتنا هذه نشكر الله –تبارك وتعالى- أولاً وآخراً، ثم الشكر موصول لفضيلة الدكتور عبدالقادر محمد عطا صوفي أستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، فشكراً لكم يا فضيلة الدكتور والشكر كذلك موصول للإخوة المستمعين . نراكم إن شاء الله . ونلتقي بكم على خير في حلقات متجددة، والشكر موصول للدكتور عبدالقادر بن محمد عطا صوفي أستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، والشكر كذلك للإخوة المستمعين والله أعلم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

ينصح بقراءة كتاب التوحيد للشيخ صالح الفوزان
  




([1]) رواه البخاري برقم (1358)، ومسلم برقم (2658).
([2]) رواه البخاري برقم (4854)، 

محاضرة مسائل في العقيدة \\ مفهوم العبادة

P
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبدالله ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد :
مستمعي الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في برنامج : مسائل في العقيدة، في هذه الحلقة نتكلم عن مفهوم العبادة، وضيف حلقتنا هو فضيلة الشيخ : عبدالقيوم بن محمد بن ناصر السحيباني المحاضر بقسم فقه السنة بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة فأهلاً وسهلاً بكم فضيلة الشيخ .
أهلاً وسهلاً وحياكم الله .
في بدء حلقتنا هذه نود من فضيلتكم أن تبينوا لكم معنى العبودية وما أهمية ذلك ؟
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
في هذه الحلقة المباركة سيكون الحديث –كما تفضلتم- عن مفهوم العبادة، هذا الموضوع أهميته عظيمة من حيث أنه الغاية التي من أجلها خُلقنا { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ومن المعلوم أن الأمر الذي يتعلق بالغايات والنهايات يكون في غاية من الأهمية، فإنه لا يستكثر أي وقت أو جهد يُبذل فيه، فمهما بذل الإنسان في فهم هذا الأمر وفي تحقيقه فإنه لن يكون كثيراً عليه؛ لأن هذا الأمر هو الغاية التي لأجلها خلق الله –U- الخلق، وهنا أنبه لأمر وهو أن حديثنا عن هذا الموضوع لن يكون من جهة تعريف العبادة، فقد عرفها العلماء بأنها : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فليس حديثنا عن مفردات العبادة وما يدخل في هذا الاسم، بل كذلك لن يكون عن شرطي العبادة، فالعبادة لا تُقبل إلا بشرطين : الإخلاص والمتابعة، لكن الحديث هنا سيكون عن الأصلين اللذين تُبنى عليهما العبادة، فالعبادة مدارها على أصلين : حب كامل، وذل كامل، لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلابد أن يكون العابد محباً للإله المعبود كمال الحب، ولابد أن يكون ذليلاً له كمال الذل، فمن أحب شيئاً ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب والذل لا يصلح إلا لله وحده فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا الله –جل علا-، يقول شيخ الإسلام –رحمه الله- ابن تيمية قال : العبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له، ويقول كذلك رحمه الله : العبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعظم ولا يُذل له لا يكون معبوداً، والمعظم الذي لا يُحب لا يكون معبوداً .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . بما أن العبودية لها هذه الأهمية إذاً ما هي ثمرة العبودية على حياة المسلم ؟
أحسنت . أثابك الله . هذا الأمر العظيم العبودية، عبودية الله -U- إذا حققه المسلم على الأصلين اللذين سبقت الإشارة إليهما إذا بنى سلوكه إلى الله -تعالى- على هذين الأصلين فإن الله –تعالى- يحفظه، فلا يظفر عدوه به إلا على غرة وغفلة، وما أسرع ما يتداركه الله                  –U- برحمته فيفيق ويرجع إلى الله، فيشمله قول الله -تعالى- : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ويدخل في قول الله –جل وعلا- : { أليس الله بكاف عبده } فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، يقول ابن القيم -رحمه الله- : الكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء هم عباد الله الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، فإن العارفين بالله كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله -تعالى- إلى نفسك، والخذلان أن يكلك إلى نفسك -نسأل الله السلامة والعافية- .


أحسنتم . جزاكم الله خيراً . هل لكم أن تبسطوا لنا القول في الأصل الأول وهو الحب الكامل ؟
نعم . ذكرنا أن العبادة مدارها على أصلين : الأول منهما : حب كامل . الله –جل وعلا- هو الذي يجب أن يُحب أكمل محبة { والذين آمنوا أشد حباً لله } أصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله فلا يُحب معه سواه، وإنما يُحب لأجله وفيه.
المحبة هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، قال ابن القيم            -رحمه الله- : ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه لله كلها وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه، فيوحد محبوبه ويوحد حبه.
وهذا الأصل العظيم محبة الله كيف ينشأ عند المسلم ؟ ينشأ بمشاهدة المنة التي تورث المحبة لله –U-، بمعنى أن العبد يتذكر في أوقاته نعم الله –U- عليه، فإذا تذكر نعم الله –U- عليه أورثه ذلك محبة لله –U- { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يتذكر نعمة الله –U-، يتذكرها بقلبه وبلسانه يقول : أن الله أنعم عليّ بكذا وكذا وكذا، وللأسف الآن ترى الناس يذكرون المصائب، ويذكرون ما يحصل لهم من نواقص ولا يتذكر النعم، وينبغي أن نُذكر بعضنا بعضاً بنعم الله علينا لتزداد محبة الله –U- في قلوبنا وتعظيمه .
أحسنتم . لكن فضيلة الشيخ كل مسلم يزعم أنه يحب الله -U- الحب الكامل، فهل هناك أدلة أو براهين يستطيع بها المسلم أن يعرف أنه حقق هذه المحبة ؟
نعم . كما ذكرتم -حفظكم الله- يعني كل مسلم لو سألته هل تحب الله –U- ؟ يقيناً سيقول : نعم أحب الله –U-، هذه أمر فُطر عليه المسلمون جميعاً، وكلهم يتشرف بهذا الأمر وينتسب إلى هذه الخصلة الشريفة، لكن يبقى البرهان.
 فالمحبة إذا استقرت في القلب فإنها تقتضي أمور : تقتضي أن يكون حب الله –تعالى- مقدماً عند العبد على جميع المحبة، بمعنى أنه إذا تعارض ما يحبه الله وما يحبه غيره، ننظر إن قدم العبد ما يحبه الله على ما يحبه غير الله كان ذلك علامة خير، وإن كان العكس قدم العبد ما يحبه غير الله على ما يحبه الله ففي محبته نقص، يقول ابن القيم –رحمه الله- : وما أسهل هذا بالدعوى وما أصعبه بالفعل، فعند الامتحان يُكره المرء أو يهان، ما أكثر ما يُقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله –تعالى-، فهذا لم يتقدم حب الله –تعالى- في قلبه على جميع المحاب، ولا كان هو الملك عليها وسنة الله –تعالى- في من هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئاً منها إلا بنكد وتنغيص جزاء له على إيثاره هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على ما يحبه الله –تعالى-، وقد قضى الله -تعالى- قضاءً لا يرد ولا يُدفع أن من أحب شيئاً سواه عُذب به ولابد، فالإنسان إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر في الليالي الباردة الشاتية النفس تحب النوم، والله -U- يحب لك أن تقوم للصلاة، والنفس تريد النوم، والمنادي يقول : الصلاة خير من النوم، فهنا العبد إذا قام من فراشه مع أن نفسه تحب النوم فليعلم أن فيه الخير، فإن غلبته نفسه ونام فيعلم أن في محبته نقص .
كذلك من لوازم المحبة ومن علاماتها : أن يحب للإنسان ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه، فالمسلم ويدعي ويزعم أنه يحب الله –تعالى-، فإذا كان كذلك فإنه ينبغي أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، حقيقة المحبة لا تتم إلا بموافقة المحبوب في حب ما يحب وبغض ما يبغض، قال ابن رجب –رحمه الله- : قول لا إله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه، فإن الإله هو الذي يطاع ولا يعصى محبة وخوفاً ورجاءً، ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهية ما يكرهه، فمن أحب شيئاً مما يكرهه الله أو كره شيئاً مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله، قال الله –تعالى- : {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } .
فهنا أنبه إلى أمر خطير وهو فرق بين أن يترك الإنسان هذه الطاعة أو هذه القربة وبين أن يبغضها فرق بينهما، مثلاً : بعض الناس قد يقصر مثلاً في الثوب فيسبل هذه معصية، لكن أن يكره السنة رفع الثياب يحصل في قلبه شيء لبغض هذا العمل مثل هذه السنن، فينبغي أن يعلم أنه على خطر، وأن الأمر هنا خطير، فليست بغض الشيء الذي جاء عن الله فيبغض طاعة من الطاعات وقربة من القرب التي ثبتت أنها من الدين فهذا الأمر خطير جداً ينبغي للمسلم أن يحذر منه، وبين أن يخالف، المخالفة هنا معصية، أما أن يحصل في قلبه بغض لهذه العبادة فإن الأمر خطير، أو عكس ذلك أن يحب بعض ما حرمه الله .
فضيلة الشيخ بعض الناس يقول على وجه الجزع لماذا الله –تبارك وتعالى- فرض علينا كذا، ولماذا حرم علينا كذا، ويتمنى هذه المعصية يحبها أو يبغض هذه الطاعة، هذا يخل في محبته لله ؟
المقصود هنا بغض العبادة بذاتها، مثل بعض الناس يكره حجاب المرأة لا يريد المرأة تتحجب، هذا هو الأمر الذي قلنا إنه خطير، أما ما يحصل من في القلب أحياناً من استثقال العبادة، النبي –r- يقول في الحديث في صحيح مسلم في حديث أنس : (( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ))([1])  فليس هذا هو المراد، فالنفس لاشك تجد شيئاً من المشقة حتى ما يسموها تكاليف شرعية، يعني عندما يستيقظ لصلاة الفجر يتوضأ بالماء البارد فيه شيء من المشقة، لكن هذا ليس هذا هو المراد، المراد الكره الذي يكون في القلب لعبادة أو محبة لمعصية، فهذا هو الذي نحذر منه، كلمة عن الحسن –رحمه الله- الحسن البصري يقول : اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته، فهذا دليل المحبة، المسلم عندما يذكر هو ويقول بلسانه هذا كل مسلم يقول أنه يحب الله –تعالى- . من لازم المحبة أن تحب ما أحبه الله وأن تبغض ما أبغضه الله .
أحسنتم . فإذا استقرت هذه المحبة في قلب المسلم لاشك أن لها ثمرات في حياته وسلوكه، فلو بينتم لنا تلك الثمرات ؟ جزاكم الله خيراً .
نعم . أحسنتم . أثابكم الله . ثمرات المحبة هذه المحبة إذا استقرت في قلب المسلم فإنها ستكون هي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفة الله ومعصيته، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية المخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من صوته وعقوبته وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، ولهذا انظر قول عمر -t- ، عمر بن الخطاب يقول : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، كلمة قاله عمر –t- للصحابي الجليل صهيب الروم يقول: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، يعني أنه لو لم يكن في قلبه من الخوف ما فيه لكان مع ذلك ممتنعاً عن معصية الله محبة لله، فإذا وُجدت المحبة في القلب -في قلب العبد- فإنه ينشرح صدره للإيمان ويتلذذ بالطاعة ويتحمل المشاق في الدين، لأن من أحب أمراً سهل عليه، فكذا المسلم إذا امتلأ قلبه محبة لله –U- سهلت عليه الطاعات، طاعات الله –تعالى- وتلذذ بها، فيؤديها منشرح الصدر فرح بها مسرورا، وإذا أدى العبد العبادة على هذا الوجه وجد لها أثراً عظيماً في نفسه، حتى يصل إلى درجة أرحنا بالصلاة، النبي –r- عندما يجد مشقة وعناء وتعب في هذه الدنيا ماذا يفعل ؟ يلجأ إلى الصلاة، أرحنا بالصلاة، بخلاف للأسف من يقول : أرحنا منها بعض الناس يريد أن ينقر الصلاة وكأنها ثقل يعني يلقيه عن كاهله يقول ابن القيم –رحمه الله- : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، أي اتهم العمل فإن الرب -تعالى- شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا، من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول ، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الذي يسميه العلماء جنة الدنيا، إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، هذا هو التتلذذ بالعبادة وانشراح الصدر أن يؤدي المسلم العبادة وهو يتلذذ بها منشرحاً لهذه العبادة يعلم عن يقين أنه هو المنتفع والمستفيد بها .
معنى ذلك أن هذه الحلاوة قائمة على حب ما يجد العبد لذة العبادة إلا إذا حقق ل المحبة ؟
نعم ، وهذه من ثمرات المحبة التعبد بالحب لله –U-، فيحب الله ويحب الطاعة، حضرته الصلاة أحبها، كذلك في العبادة الأخرى أداء الزكاة الصوم، فالمسلم عندما يفرح بالعبادة ويؤديها محباً لها يجد هذا الأثر العظيم في نفسه .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . فضيلة الشيخ هل هناك أمثلة واقعية في حياة الإنان أو في حياة المسلم تبين لنا أثر هذه المحبة ؟
لعلي في إذا أردنا أن نبين أثرها على أرض الواقع وكيف تؤثر على المسلم في حياته أذكر لك مثالين، كلاهما وقع في عهد النبوة :
المثال الأول : أخرجه الإمام أبو داود في سننه ([2]) من حديث أبي بن كعب، اسمع إلى هذه القصة التي وقعت في مدينة رسول الله -r-، يقول أبي بن كعب : بعثني النبي -r- مصدقاً، يعني ساعٍ يجمع الصدقات من بوادي ونواحي المدينة، يقول أبي : فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له : أدِ ابنة مخاض فإنها صدقتك، وبنت مخاض في الزكاة هي أقل ما يجب، فزكاة الإبل تبدأ بالغنم في كل خمس شاة، ثم إذا بدأت الزكاة بالإبل بعد الخمس والعشرين ففيها بنت مخاض، يعني هي أقل شيء، الرجل الآن لما قال له أبي : الواجب عليك بنت مخاض ماذا قال ؟ هل قال والله فرح قال : الحمد لله ما كلفتونا، بنت مخاض سهلة يسير خذ بنت مخاض، الرجل صار يتعامل بطريقة أخرى يفكر بطريقة أخرى، الآن أبي من هو في هذا الموضع لاحظ معي أن أبي هنا هو من ؟ هو رسول رسول الله –r-، بمعنى أن كلامه وقوله مقبول بإطلاق؛ لأن النبي –r- هو الذي أرسله، الرجل ما خفي عليه هذا الأمر، لكن الرجل يفكر بطريقة أخرى، لما قال له أبي : أدِ ابنة مخاض تعجب، قال : ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، يعني بنت مخاض صغيرة ما يُركب لأنها صغيرة، وليس فيها لبن لم يترك الفحل، فإذاً ماذا تفعل في هذا الزكاة ؟ ثم نظر الرجل في إبله فرأى ناقة فقال : هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، يبحث عن أفضل ناقة في إبله وقال لأبي : خذ هذه بنت مخاض صغيرة، أبي –t- امتنع قال : لا آخذ إلا ما أمرني به النبي -r-، الآن أصبحت مشكلة، لاحظ مشكلة بين الرجل وبين أبي –t- في ماذا ؟ الرجل ماذا يريد ؟ يريد أن يدفع أكثر، وأبي –t- جاء بحل اقتراح قال له : هذا رسول الله             -r- في المدينة فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فإن قبل منك قبلناه، انظر إلى هذا الاقتراح ، يقترح عليه ماذا ؟ يقترح عليه أن يذهب إلى المدينة من أجل ماذا ؟ من أجل أن يدفع أكثر مما وجب عليه، هل قال الرجل وأقنعه، يعني على قول الناس الآن ماني فاضي، مشغول، عندي إبلي وأهلي وأولادي ثم : لماذا أذهب إلى المدينة، تريد أن تأخذ الناقة خذها لا تريد أن تأخذها ماذا أفعل، يعني هذا الرجل ما فكر بهذا الأسلوب، نحن قد نفكر بهذا الأسلوب لماذا نذهب إلى المدينة لكي أعطيكم أكثر، لما ذكر له هذا الاقتراح قال الرجل : نعم إني فاعل، فذهب الرجل واسمع كيف دخل على النبي -r- وكيف خاطبه ؟ قال : يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله -يقسم الرجل- وأيم الله يقسم الرجل ، ما قام في مالي رسول الله –r- ولا رسوله قط قبله، يعني يقول ماذا ؟ يقول : أول مرة تأخذون الزكاة، وأنا أستحي أن أقدم هذه بنت مخاض صغيرة ما تجمل، ويلح يعني لاحظ النبي –r- طمأنه لما ذكر له أن أبي طلب منه بنت مخاض قال له النبي -r- : (( ذاك الواجب عليك ))، يعني ماذا ؟ يعني أن أبي لم يخطئ، ما ذكره لك أبي صحيح، هل الرجل قال : طيب  حبيت أن أتأكد، ماذا قال ؟ قال النبي –r- بعد ذلك: (( فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك ))، فقال الرجل : نعم، هاهي ذه، لاحظ لما جاء لم يترك الناقة في باديته، أخذها معه إلى المدينة، وجاء بها حتى وصل بها إلى المسجد قال : هاهي ذه فخذها يا رسول الله قد جئتك به، تلاحظ أن الرجل يلح إلحاح عجيب في ماذا ؟ لم هذا الإلحاح؟ في دفع أكثر مما طُلب منه؛ لأنه يعلم عن يقين أن العبادة هو المنتقع منها المسلم يستفيد منها، الله غني عن عباداتنا وطاعاتنا وأموالنا، لكن نحن الذي نستفيد، فالرجل كان يشعر بهذا فما يريد أن يُقَرب إلا شيئاً يكون عظيماً، النبي –r- قبل منه ودعا له بالبركة، وانظر إلى بركة الزكاة، دارت الأيام يقول أبي : وجاء عهد معاوية فولى مروان بن حكم المدينة يقول : فبعثني فمررت بهذا الرجل فجمع لي ماله فإذا الواجب عليه ثلاثون حقة، حقة هي أعلى ما يجب في الزكاة، لها ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة، يعني عن كم ؟ عن ألف وخمسمائة بعير، انظر بركة الزكاة في الدنيا فكيف يكون أجرها وثوابها في الآخرة .
موقف آخر كذلك في السنن النسائي قصة رجل أسلم حديثاً، يقول الراوي شداد بن بن الهاد يقول : أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي –r- فآمن به واتبعه، ثم هاجر معه، فكانت غزوة فغزا الرجل مع النبي -r- فغنم النبي -r- بعض الغنائم، فقسم لأصحابه وقسم لهذا الرجل، كان الرجل يرعى ظهر أصحابه، فجعل النبي –r- ما قسمه له عند أصحابه، فلما جاء الرجل رأى المال فسأل أصحابه قال : ما هذا ؟ قالوا : قسم قسمه لك النبي -r-، الآن يا شيخ عبدالرحمن إذا كان النبي –r- هو الذي قسم، فمعنى ذلك ماذا ؟ حلال بين ما فيها إشكال، لكن الرجل يفكر هو يعيش في عالم آخر، ليست المسألة الآن عنده حلال أو حرام، قالوا : قسمه لك النبي –r-، فذهب، وأخذ المال فذهب به إلى النبي –r- وجاء إلى رسول الله –r- قال : ما هذا ؟ قال : (( قسم قسمته لك ))، فقال الرجل : ما على هذا اتبعتك، لكن اتبعتك على أن أُرمى هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي -r- : (( إن تصدق الله يصدقك )). لاحظ هنا أن هذه الكلمة من النبي -r- ليس فيها مدح للرجل ولا ذم له، يعني النبي -r- هنا قعد قاعدة وهي : إن تصدق -هذه القاعدة- إن تصدق الله يصدقك، لبثوا قليلاً ثم نهضوا لقتال العدو، فأوتي النبي -r- بهذا الرجل يُحمل قد أصيب حيث أشار، فسأل النبي        -r- أصحابه قال : (( أهو هو ؟ )) قالوا : نعم هو، قال النبي -r- وانظر كيف قال في المرة الثانية ؟ قال : (( صدق الله فصدقه ))، ما الذي حصله الرجل في هذا الأمل ؟ كفنه النبي -r- في جبته وانظر كيف دعا له، قدمه النبي -r- وصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته من دعائه r أنه قال : (( اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك ))([3]) .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . وبارك الله فيكم . كلام ممتع وفوائد شتى، ولكن وقت الحلقة يضيق عن استكمال بقية الموضوع، ونحن لازلنا في الأصل وهو الحب الكامل على أن يكون –إن شاء الله- لنا حلقة أخرى عن الأصل الثاني وهو الذل التام، نشكر فضيلتكم على جهدكم المبارك وعلى استجابتكم لدعوة البرنامج، آملين من فضيلتكم أن تكلموا لنا الموضوع في حلقة أخرى، وجزاكم الله خيراً .
أنا أشكركم وأثابكم الله على إتاحة الفرصة، لعله أن ييسر فرصة أخرى نكمل فيها الموضوع .
مستمعي الكرام في ختام حلقتنا هذه نستودعكم الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين .   



([1]) رواه مسلم برقم (2822).
([2]) رواه أبوداود برقم (1583).
([3]) رواه النسائي برقم (1953).