P
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على عبدالله ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد :
فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم أيها الإخوة
المستمعون في برنامجنا المتجدد : مسائل في العقيدة، وموضوعنا اليوم –بإذن الله
تعالى- سنبحث فيه أنواع التوحيد ثم نركز على النوع الأول منه وهو توحيد الربوبية،
وفي مقدمة هذه الحلقة أرحب بضيفنا الكريم فضيلة الدكتور عبدالقادر بن محمد عطا
صوفي أستاذ المشارك بقسم العقيدة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية
فأهلاً وسهلاً بكم فضيلة الدكتور .
حياكم الله وبارك الله فيكم .
فضيلة الدكتور نريد في بدء هذه الحلقة
أن تبين لنا أنواع التوحيد وأقسامه ؟
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب
العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه
أجمعين .
العلماء قسموا التوحيد إلى ثلاثة أقسام،
ومنهم من قسمه إلى نوعين، لكن التقسيمين يتفقان، فمن قال : إن التوحيد ثلاثة أقسام
ينقسم إلى: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات لم يخالف من
قسم التوحيد إلى توحيد معرفة وإثبات، وإلى توحيد عملي طلبي، فتوحيد المعرفة
والإثبات يدخل فيه النوعان الأولان، يدخل فيه توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء
والصفات، أما التوحيد العملي الطلبي فإنه متعلق بتوحيد الألوهية.
فالتقسيمان -بحمد الله تبارك وتعالى-
متفقان، وهذا التقسيم ليس توقيفياً، لكن هذه القسمة استقرائية من خلال تتبع نصوص
الكتاب والسنة وجد العلماء أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام، فلو قرأنا أول سورة
في كتاب الله –تبارك وتعالى- وهي سورة الفاتحة فإنها قد احتوت هذه الأنواع الثلاثة
فـ { الحمد لله رب العالمين } ربوبية { الرحمن الرحيم } أسماؤه –تبارك وتعالى-
وصفاته -جل وعلا-، فكل اسم من أسمائه -تبارك وتعالى- يتضمن صفة { إياك نعبد وإياك
نستعين } نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة وهذا توحيد الألوهية، وقد أشار شيخنا
العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله تبارك وتعالى- إلى هذا الأمر
عندما تكلم عن آية في كتاب الله –تعالى- حوت الأنواع الثلاثة، قال في قوله –تبارك
وتعالى- : { رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا
} { رب السماوات والأرض وما بينهما } توحيد الربوبية { فاعبده واصطبر لعبادته }
توحيد الألوهية والعبادة { هل تعلم له سميا} توحيد الأسماء والصفات، فالله –تبارك
وتعالى- يُفرد بأسماء وصفات لا يتصف بها أحد من خلقه جل وعلا . هذا يا شيخ بالنسبة
لتقسيم التوحيد.
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . إذاً نبدأ
بالنوع الأول على حسب التقسيم الثلاثي لأنه هو المشهور والمعروف عند عامة الناس،
النوع الأول : توحيد الربوبية، فلنبدأ بتعريفه لغة، ما معنى الرب في اللغة ؟
الرب في اللغة : هو المالك، ويقال :
السيد، الصاحب، فإذا قلت : فلان رب الإبل أي مالكها، وهذه الكلمة استعملها
عبدالمطلب جد رسول الله –r- عندما خرج إلى
أبرهة عندما أتى أبرهة لهدم الكعبة فوجد حول مكة إبلاً ومنها إبل لعبدالمطلب فأخذ
الإبل وساقها، فجاء عبدالمطلب يطالبه بإبله، فقال له أبرهة : لما أريتك هبتك وأنت
الآن تسألني في إبل ولا تسألني في البيت، قال : أما البيت فللبيت رب يحميه، وأما
الإبل فأنا ربها . فالرب يأتي في اللغة بمعنى المالك، والله –تبارك وتعالى- هو
مالكنا فهو يتصرف فينا I كيف شاء جل وعلا .
أحسنت . أما تعريف توحيد الربوبية على
حسب الاصطلاح ؟
التوحيد هو الإفراد، فإذا قلت : توحيد
الربوبية أي إفراد الرب –تبارك وتعالى- بخصائص الربوبية، والعلماء يقولون :
الربوبية لها خصائص، وكلمة خصيصة أي لا يشاركه فيها أحد سواه تبارك وتعالى، فهو
الخالق جل وعلا ولا خالق سواه، وهو الرازق وهو المحيي وهو المميت وهو منـزل المطر
ومنبت الزرق، وهو المعطي المانع الضار النافع، إلى آخر خصائصه التي يتصرف فيها
بعباده تبارك وتعالى كيف شاء، فتوحيد الربوبية إفراد الله بأفعاله، وأفعاله جل
وعلا كثيرة، يقول I : { كل يوم هو في
شأن } فيرفع ويضع، يحيي ويميت، يعز ويذل، وهذه أفعاله جل وعلا، فإفراده بأفعاله هو
توحيد الربوبية سبحانه جل وعلا .
لاشك أن هذا التوحيد له أدلة تدل عليه
وتبينه، أنواع هذه الأدلة ابتداء ؟
توحيد الربوبية فطري، فالربوبية مركوزة
مغروسة في فطر العقلاء، وكما قال العلماء : لم ينكر توحيد الربوبية أحد من عقلاء
بني آدم، بل العقلاء كلهم مجمعون على إثبات أفعال الرب -تبارك وتعالى- التي يختص بها، بل إن
إبليس اللعين يقر ويعترف بتوحيد الربوبية، وإن كان قد امتنع عن امتثال الأمر، يقول
: { رب أنظرني إلى يوم يبعثون } فهو يقر بأفعاله –تبارك وتعالى- ويعترف بها، لكن
هذا الإقرار –كما سيأتي- لم ينفع إبليس، وهذا الإقرار أقر به فرعون وإن كان هذا
الإقرار ليس ظاهراً، بل في باطنه كما قال الله –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه : {
وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم } فهو أمر فطري مغروس في الفطرة، والله –تبارك وتعالى-
أخبر عن المشركين { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون }
فالله -تبارك وتعالى- قد جعل هذا التوحيد في فطر بني آدم، وقد أخبر الصادق المصدوق
r
أن ((كل مولود يولد على الفطرة))([1]) ،
فمن الفطرة التي يولد عليها المولود الإقرار والاعتراف بالخالق الرازق المحيي
المميت تبارك وتعالى .
وهناك أدلة شرعية –كما تفضلتم- دلت على
هذا النوع من أنواع التوحيد، والقرآن الكريم مليء كما قال العلامة ابن القيم –رحمه
الله تعالى- مليء بذكر الأدلة على أنواع التوحيد الثلاثة، بل إن آيات القرآن
الكريم إما أن تجد أنها خبر عن الله –تبارك وتعالى- وعن خلقه للمخلوقات وعن رزقه
لمخلوقاته، وعن إحيائه وإماتته، وعن إعطائه وإنزاله المطر، وإما أن تجد أمراً
بعبادته -تبارك وتعالى-، أو إخباراً عن أسمائه وصفاته، فالقرآن الكريم مليء
بالأدلة الشرعية التي دلت على هذا النوع من أنواع التوحيد .
إذاً نستطيع فضيلة الدكتور أن نقول :
الأدلة تنقسم إلى قسمين .
هي الفطرة هي في حد ذاتها دليل مغروس في
فطرة كل إنسان أن الله –تبارك وتعالى- هو خالقه جل وعلا .
والنوع الثاني : هي أدلة موجودة في كتاب
الله –تبارك وتعالى- دلت عليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فكما تفضلتم .
جزاك الله خيراً . إذاً الآن بودنا أن
نعرف طريقة القرآن، هذه الأدلة الشرعية لها طرائق في القرآن الكريم وأساليب في إثبات
هذا النوع، فهلا حدثتنا جزاك الله خيراً عن طريقة القرآن في إثبات هذا النوع من
التوحيد ؟
طريقة القرآن هي الطريقة التي سلكها الرسل، وهي
بخلاف الطريقة التي سلكها مخالفو الرسل، مخالفو الرسل في هذا الباب في باب توحيد
الربوبية يأتون إلى أدلة وأقيسة عقلية في الغالب لا تأتي بالمطلوب، يعني يأتون
يقولون : كل محدَث لابد له من محدِِث، كل ممكن لابد له من مرجح، كل حركة لابد لها
من علة غائية، لكن القرآن الكريم وجّه الناس إلى النظر في أنفسهم، هذه الأنفس
المخلوقة أأنتم خلقتموها أم لها خالق؟!، الله –تبارك وتعالى- يقول في كتابه –I-
: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } فهذا دليل عقلي نقلي على إثبات توحيد
الربوبية، هذا الدليل وجّه العقلاء إلى النظر في أنفسهم، هذه الأنفس هل هي قد
خلقوها هم، متى خلقوها، هل خلقوها عندما كانوا عدماً قبل أن يُخلقوا، هل يكون
العدم سبباً في الوجود، أم خلقوها بعد أن خُلقوا، فكيف خُلقوا وخلقوها ؟ فخلقها
تحصيل حاصل، لذلك جبير بن مطعم يقول : سمعت رسول الله -r-
يقرأ في المغرب أي في صلاة المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية : { أم خلقوا من غير
شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم
هم المسيطرون } يقول : كاد قلبي أن يطير ([2]).
فقوله –تبارك وتعالى- : { أم خلقوا }
استفهام إنكاري يقول : U يخاطبهم أَوُجدوا من
غير مبدع، فهم يعلمون أنهم لم يكونوا من غير مكون، ويعلمون أنهم لم يُكَونوا
أنفسهم، وعلمهم بحكم أنفسهم معلوم بالفطرة نفسها لا يحتاج أن يستدل عليه، فأنا
قصدي يا شيخ –بارك الله فيك- أن طريقة القرآن طريقة واضحة بسيطة تختلف عن طريقة
المتكلمين الذين سلكوا الأقيسة العقلية وهي لا تؤدي في الغالب إلا إلى نوع واحد من
مقصودهم، ولا توصلهم إلى تحقيق المطلوب والمقصود .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . نأتي إلى
محور آخر إذا أذنتم لنا صاحب الفضيلة المقرّون بهذا النوع من أنواع التوحيد هل حصل
إقرار من قِبل الأمم السابقة بهذا النوع، أو أن هذا نوع خاص بالأمة المحمدية ؟
هذا الأمر يا شيخ –كما أشرت إليه قبل
قليل- أمر قد أطبق عليه العقلاء، فالعقلاء مجمعون على الإقرار بتوحيد الربوبية،
قلت : إن إبليس اللعين أقر واعترف بهذا النوع من أنواع التوحيد، وقلت بأن فرعون
كما قال الله –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه يقول : { وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم
} جحدوا بها ظاهراً عندما قال لموسى -عليه السلام- : وما رب العالمين؟! فكان
استفهاماً إنكارياً لم يكن فرعون طالب علم هنا يسأل عن الماهية، وإنما كان منكراً
جاحداً، لكن هذا الجحود كان ظاهراً، أما حاله فقد كان مقراً بهذا النوع كما قال
ربنا –تبارك وتعالى- عنه وعن قومه : { وجحدوا بها واستيقنـتها أنفسهم } كذلك
المشركون الذين بُعث فيهم رسولنا -r- كانوا يقرون
ويعترفون بهذا النوع من أنواع التوحيد، بل إن إقرارهم مسطر في كتاب الله –تبارك
وتعالى-، الله –تبارك وتعالى- ذكر أنهم يقرون بأن الله هو الخالق، هو الرازق، هو
المحيي، هو المميت، أنه الذي يدبر الأمر I
، وذكر هذا في آيات كثيرة، وهذا يدل على أن الأمم –كما تقدم- كلهم أطبقوا على
الإقرار بهذا النوع من أنواع التوحيد .
لكن يا صاحب الفضيلة هنا سؤال ينقدح في
الذهن، كما تعلمون الملاحدة ومن نحا نحوهم وصار في ركابهم أليسوا ينكرون وجود
الإله والخالق ؟
نعم يا شيخ، لكن هذا الإنكار –كما قلت-
عن فرعون إنكار فرعون كان إنكاراً ظاهراً، أما هم في قرارة أنفسهم يعترفون أن هذه
النظريات نظريات بالية، لأنهم يعلمون أن الطبيعة –كما يقولون- أوجدت نفسها بنفسها،
لا يمكن للطبيعة أن توجد نفسها بنفسها، بل هم أكرم الخلق الموجودون في هذا الوجود،
ومع ذلك لا يمكن لهم أن يوجدوا أنفسهم، فهم في قرارة أنفسهم يعترفون بأن الذي
أوجدهم هو الخالق -I- .
أحسنتم . كذلك يا صاحب الفضيلة إقرار
الأمم السابقة بتوحيد الربوبية هل كان إقرارا ًعلى ما هو موجود في الدين الإسلامي
وما هو مطلوب من العباد ؟
قضية الفطرة أحياناً قد تُحول عن
مسارها، أنا كنت أتكلم عن قضية الفطرة، وقلت : بأن الأمر مركوز في فطر العقلاء
أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، لكن هذه الفطرة قد تحول قليلاً عن مسارها، ومتى تحول
عن مسارها بسبب مؤثرات خارجية، فيأتي دور النصوص الشرعية في تقويمها وفي تسديدها
الوجهة الصحيحة السليمة، من أجل ذلك بالنسبة لتوحيد الربوبية تأتي النصوص وتغذي
الشيء الموجود في داخل الفطرة، وتزيد فيه ولو كانت الفطرة قد تحولت قليلاً فإنها
تعيدها إلى الجادة وإلى الطريق المستقيم .
إذاً يا صاحب الفضيلة نستطيع أن نقول :
إقرار الأمم السابقة لتوحيد الربوبية على ما وُجد في فطرها وإن لم يكن إقراراً
تاماً صحيحاً على ما طُلب منا في الشريعة الإسلامية ؟
نعم قد يكون عندهم خلل وعندهم تقصير
لاشك، فلا يكون تاماً صحيحاً كما طُلب منا الشريعة الإسلامية؛ لأن إقرارهم بتوحيد
الربوبية لو كان تاماً صحيحاً لعبدوا الله –تبارك وتعالى- وحده، لأن توحيد
الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فلو أنهم أتوا به تاماً صحيحاً لعبدوا الله -تبارك وتعالى- وحده، لكن حصل
عندهم فيه خلل فمن أجل ذلك صرفوا العبادة لغير الله -تبارك وتعالى- .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . يا صاحب
الفضيلة هل الإقرار بتوحيد الربوبية ولو قلنا إقراراً تاماً على النصوص الشرعية هل
يكون المسْلم بهذا التوحيد داخلاً في مسمى أهل الإيمان، وأنه يكفي بنجاته من النار
؟
بالنسبة لتوحيد الربوبية وحده لا يكفي
الإقرار بتوحيد الربوبية وحده، قد قلت لكم أيها الحبيب قبل قليل : أن إبليس اللعين
كان يقر ويعترف بتوحيد الربوبية، لكن الله -تبارك وتعالى- قال عنه وعن من تبعه : {
لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } فالله –تبارك وتعالى- لم يقبل منه توحيد
الربوبية وحده، فتوحيد الربوبية لا يُقبل وحده، التوحيد هو بناء، وتوحيد الربوبية
بمنزلة الأساس للبناء، لكن من وضع الأساس يطالب بأن يبني البناء أن يقيم البناء
حتى يسمى بناءً، فإن لم يأت بتوحيد الألوهية فلا يعد مسلماً، لأن الإسلام هو أنواع
التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات،
وأيضاً فرعون –كما قلت لكم قبل قليل- كان مقراً في باطنه بتوحيد الربوبية، لكن لم
ينفعه هذا الإقرار، فمصيره معلوم يوم القيامة، كذلك حال مشركي الأمم ممن كانوا قبل
الإسلام، وممن بُعث فيهم رسولنا -r- كانوا مقرين بتوحيد
الربوبية لكن هذا الإقرار لم ينفعهم، بل كان يقول لهم رسولنا -r-
: (( قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) فلم يأتوا بتوحيد الألوهية التي تلزمهم؛
لأنهم أتوا بتوحيد الربوبية قبلها، والله -تبارك وتعالى- يقول : { وما يؤمن أكثرهم
بالله إلا وهم مشركون } فأثبت لهم إيماناً بتوحيد الربوبية، لكن هذا الإيمان لم
ينفعهم، فبقي اسمهم كما قال الله -تبارك وتعالى- سماهم مشركين { إلا وهم مشركون }
فالشرك واقع في توحيد الألوهية عندهم، فلا ينفع توحيد الربوبية وحده .
جميل . إذاً نستطيع أن نخلص إلى أن
الإقرار بتوحيد الربوبية لا يكفي وحده لإدخال الإنسان في مسمى الإسلام الحقيقي ؟
لا يكفي الإقرار بتوحيد الربوبية وحده
لإدخال الإنسان في مسمى الإسلام الحقيقي .
إذاً كذلك نريد التوضيح أكثر للمستمع من
يفسر لا إله إلا الله بقوله : لا خالق إلا الله ؟
هذه -شيخ- يرد عليه باللغة وبالعقلي
وبالمنطقي، بل بعض المتكلمين يقولون : أن الغاية من بعثة الرسل توحيد الربوبية
بناء على عدم تفريقهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والواقع أن هناك فروقاً
متعددة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فعندما تقول : لا إله، الإله في اللغة
: المعبود، والخالق له معنى آخر، وأهل اللغة يقولون : اختلاف المبنى يدل على
اختلاف المعنى، فكيف نجعل لا خالق إلا الله بمعنى لا إله إلا الله، أو لا معبود
بحق إلا الله -تبارك وتعالى- ؟ فلاشك أن هذا القول ليس مُسَلماً لهم، بل لو كان
القول –أيها الحبيب كما تفضلتم- لو كان لا خالق إلا الله أو لا إله إلا الله هي
معنى لا خالق إلا الله، لماذا قاتل رسول الله -r-
المشركين، وقد كانوا يقرون بالخالق { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } فلماذا
قاتلهم ؟ لاشك أنهم لم يحققوا توحيد الألوهية فليس معنى لا خالق إلا الله ليست
بمعنى لا معبود بحق إلا الله، فكل جمل تختلف عندهم .
جميل . أحسنتم . بارك الله فيكم . كذلك
يا صاحب الفضيلة لو حدثتنا عن الفروق بين توحيدي الربوبية وتوحيد الألوهية ؟
نعم . أحسنتم يا شيخ بارك الله فيكم .
لأنك بذكر هذه الفروق تتضح المسألة التي أشرتم فضيلتكم إليها قبل قليل وهي : لا
خالق إلا الله من جعلها بمعنى لا إله إلا الله أو لا معبود إلا الله، لو بدأنا
بكلمة توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وضعنا توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية في
كفتي ميزان لرأينا أن الربوبية كلمة ربوبية في أصلها مشتقة من كلمة رب، ورب قد
تقدم أن معناها المالك المتصرف وسيد، فليست بمعنى توحيد الألوهية إله، لأن إله في
اللغة المعبود المطاع، فليس المالك بمعنى المعبود، فهذا فرق أول في الاشتقاق، فاشتقاق
كلمة ربوبية عن كلمة ألوهية، كذلك في معنى التوحيد عندما نقول : توحيد الربوبية
إفراد الله –تبارك وتعالى- بالربوبية أي بأفعاله -I-
التي يختص بها جل وعلا، بخلاف توحيد الألوهية التي نطالب العباد بإفراد أفعالهم
وجعلها لله -تبارك وتعالى- وحده، فهي إفراد الله -تعالى- بأفعال العباد، ففرق بين
إفراد الله بأفعاله وإفراد الله بأفعال عباده، فهذا فرق آخر، وقد أشرتم -بارك الله
فيكم قبل قليل- إلى الكفاية، هل يكفي توحيد الربوبية؟ وقلت : إنه لا يكفي، بينما
توحيد الألوهية يكفي؛ لأنه يتضمن توحيد الربوبية، فمن أتى بتوحيد الألوهية فقد أتى
قبلاً بتوحيد الربوبية، والله -تبارك وتعالى- عندما خاطب المشركين في أول سورة
البقرة يقول سبحانه : { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين قبلكم لعلكم
تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقاً لكم } قال في آخر الآية : { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون }
ماذا تعلمون؟ تعلمون أن الله -تعالى- هو الذي خلقكم، وهو الذي خلق من قبلكم، وهو
الذي جعل الأرض فراشاً والسماء بناء وهو الذي أنزل من السماء ماء وهو الذي أخرج من
الثمرات رزقاً لكم لا تجعلوا لله –تعالى- أنداداً، بمعنى أفردوه بأفعالكم كما
تعلمون أنه الخالق الرازق I ، فمن أتى بتوحيد
الربوبية لزمه أن يأتي بتوحيد الألوهية، ومن حقق توحيد الألوهية فلاشك أنه قد أتى
ضمناً بتوحيد الربوبية، من أجل ذلك يقول العلماء : توحيد الألوهية يكفي، أما توحيد
الربوبية فلا يكفي، إذ ثمة علاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية تسمى عند
العلماء علاقة الاستلزام والتضمن، وقد أشار إليها في كتبهم كثير من علماء أهل
السنة –رحمهم الله تعالى وحفظ أحياءهم- تكلموا عن هذه المسألة وبينوا أن العلاقة
بين النوعين علاقة استلزام وتضمن، فيقولون : توحيد الربوبية يستلزم توحيد
الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وهناك فروق أخرى .
هو في فروق أخرى الآن في إقرار، وهناك
في فروق أخرى أيضاً فهناك فرق في الإقرار، وقد قلت لكم قبل قليل أن المشركين أقروا
بتوحيد الربوبية، لكنهم لم يقروا بتوحيد الألوهية، ولو كان توحيد الربوبية هو
توحيد الألوهية –كما ذكرت لكم أيها الفاضل- فلماذا قاتل رسول الله –r-
المشركين، لو كان هذا بمعنى هذا، فدل على أن توحيد الربوبية يختلف عن توحيد
الألوهية، إذاً نستطيع أن نلخص كلامنا في الفروق بأن توحيد الربوبية يختلف عن
توحيد الألوهية في أمور كثيرة منها : في الاشتقاق، ومنها في التعريف، ومنها في
العلاقة التي بين النوعين، فالأول الذي هو الربوبية يستلزم الألوهية الثاني، بينما
الثاني يتضمن الأول، وفي الكفاية: الربوبية لا يكفي، أما الألوهية لأنه يتضمن فإنه
يكفي، وفي الإقرار فالإقرار قد أقر المشركون بتوحيد الربوبية لكنهم لم يقروا
بتوحيد الألوهية، وهناك فروق أخرى نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يرد المسلمين
جميعاً إلى دينهم، وأن يوفق القائمين على هذا البرنامج، جزاكم الله كل خير .
أحسنتم . وبارك الله فيكم . وجزاكم الله
عنا وعن الإسلام والمسلمين خيراً على ما بينتم وأوضحتم للإخوة المستمعين في هذا
الباب المهم أولاً من حيث التقسيم لأنواع التوحيد، وثانياً من بيان توحيد الربوبية
وأهم المسائل التي تدور في هذا الباب .
في ختام حلقتنا هذه نشكر الله –تبارك
وتعالى- أولاً وآخراً، ثم الشكر موصول لفضيلة الدكتور عبدالقادر محمد عطا صوفي
أستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، فشكراً
لكم يا فضيلة الدكتور والشكر كذلك موصول للإخوة المستمعين . نراكم إن شاء الله .
ونلتقي بكم على خير في حلقات متجددة، والشكر موصول للدكتور عبدالقادر بن محمد عطا
صوفي أستاذ المشارك بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية،
والشكر كذلك للإخوة المستمعين والله أعلم . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين .
ينصح بقراءة كتاب التوحيد للشيخ صالح الفوزان
ينصح بقراءة كتاب التوحيد للشيخ صالح الفوزان
