بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 19 فبراير 2016

محاضرة مسائل في العقيدة \\ التوكل على الله

P
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد :
أيها الإخوة المستمعون : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في برنامج : مسائل في العقيدة، في هذه الحلقة نتحدث عن موضوع مهم ألا وهو : التوكل على الله -تبارك وتعالى-، وأما ضيفنا فهو فضيلة الأستاذ الدكتور : عبدالسلام بن سالم السحيمي، عميد كلية الشريعة سابقاً، وأستاذ الفقه بالدراسات العليا بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وعضو مجلس مركز التميز البحثي في قضايا الفقه المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكذلك عضو الجمعية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم فضيلة الأستاذ .
يا مرحبا أهلا وسهلا.
أيها الإخوة في الله في بدء حلقتنا هذه نود من ضيفنا الكريم أن يحدثنا عن حقيقة التوكل، وهل فعل الأسباب ينافي التوكل على الله –تبارك وتعالى- ؟
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على عبدالله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
حقيقة التوكل : هي القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب واعتقاد أنها بيده، فإن شاء منع اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية بضد أحكامها، وإن شاء قام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه، والموحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب ولا يرجوها، كما أنه لا يهملها أو يبطلها بل يكون قائماً بها ناظراً إلى مسببها I ومجريها، وعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه . وتحقيق التوكل لا ينافي السعي في الأسباب التي قدّر الله المقدورات بها، فإن الله –تعالى- أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة لله، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، والناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك نجدهم يجهدون أنفسهم في الأسباب، ومن تعلقت نفسه بالله وأنزل به حوائجه والتجأ إليه وفوض أمره كله إليه كفاه كل سؤله، ويسّر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن إلى علمه وعقله وتمائمه واعتمد على حوله وقوته وكَلَه الله إلى ذلك وخذله، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد ولا يأتيهم إلا ما قُدِّر لهم، فلو حققوا التوكل على الله –U- بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب كما يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي ولكنه سعي يسير، قال في تيسير العزيز الحميد : وهذا معروف بالنصوص والتجارب . والحقيقة إن فعل الأسباب لا ينافي التوكل، ولذلك قال أهل العلم : الالتفات إلى الأسباب نقص في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب التي أُمر بها قدح في الشرع، وعلى العبد أن يكون قلبه معتمداً على الله لا على الأسباب، فلا تعارض بين فعل الأسباب والتوكل على الله –U- .
بارك الله فيكم . فضيلة الأستاذ هلاّ حدثتنا عن منزلة التوكل في هذا الدين ؟
لاشك –أخي الكريم- أن التوكل منزلته منزلة عالية من منازل الدين، وقرنه الله –تعالى- بالعبادة في قوله تعالى : { فاعبده وتوكل عليه } وجعله سبباً لنيل محبته فقال : { إن الله يحب المتوكلين } في التوكل رضا الرحمن، ومنعة من الشيطان، والرسل -عليهم الصلاة والسلام- هم الأئمة المتوكلون، فالخليل قال : { ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } وشعيب –عليه السلام- قال : { وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } ومن حقق التوكل دخل الجنة بغير حساب، وأمور الدنيا وزينتها قد يُدرك منها، وقد لا يُدرك، وقد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم، ولا يقدم في ذلك إلا التوكل على الله . ولما سئل الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- عن التوكل قال : هو قطع الاستشراف باليأس من الخلق، وحقيقة أن التعلق بالأسباب لا يجدي في تحقيق المطلوب، يؤخذ بالأسباب مع التعليق بمسببها ، وهو الله                   -I- .
أحسنتم . بارك الله فيكم . فضيلة الأستاذ قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبر بالقلب فهل هذا الظن صحيح، هلاّ ذكرتم كيف يظهر التوكل في حركة العبد وسعيه ؟
الحقيقة قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبر بالقلب، وهذا كما يقول أهل العلم : هذا ظن الجهال، فإن ذلك الظن حرام في الشرع، الشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده، وسعي العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب أو حفظ موجود، إما لجلب نفع مفقود كالكسب، وإما لحفظ شيء موجود كالادخار، وإما لدفع ضرر لم ينـزل كدفع الصائل أو لإزالة ضرر قد نزل كالتداوي من المرض، فحركات العبد لا تعدو هذه الأمور الأربعة التي ذكرها أهل العلم.
الأمر الأول : في جلب المنافع، فتكون الأسباب التي بها تجلب المنافع على ثلاث درجات : سبب مقطوع به كالأسباب التي ارتبطت بها المسببات بتقدير الله –تعالى- ومشيئته ارتباطاً مطرداً لا يتخلل، مثاله : أن يكون الطعام بين يدي الإنسان والإنسان جائع فلا يمد يده إليه ويقول : أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد إلى الطعام سعي، وكذلك مضغه وابتلاعه، فهذا الاعتقاد أو هذا الظن يعد من الجنون المحض وليس من التوكل في شيء، فإنك إذا انتظرت -مثلاً- أن يخلق الله فيك شبعاً دون أكل طعام أو يخلق في الطعام حركة إليك، أو يسخر ملكة ليمضغه ويوصله إلى معدتك فقد جهلت سنة الله، وكذلك لو لم تزرع وطمعت أن يخلق الله -تعالى- نباتاً من غير بذر، أو تلد الزوجة من غير وطء فكل ذلك يعد جنوناً إذا وصل إلى هذا الأمر، وليس التوكل في هذا المقام ترك الأمل بل التوكل فيه بالعلم والحال، أما العلم فهو أن تعلم أن الله                 –تعالى- خلق الطعام واليد والأسباب وقوة الحركة وأنه الذي يطعمك ويسقيك، وأما الحال فهو أن يكون قلبك يا عبدالله واعتمادك على فضل الله –تعالى- لا على اليد والطعام، لأنه ربما جفت اليد وبطلت حركة الإنسان، وربما سلط الله عليه من يغلبه على الطعام، فهذا الأمر الأول متعلق بجلب المنافع، والأسباب التي تجلب بها المنافع .
الأمر الثاني مما يتعلق بهذا الأمر : أن الأسباب التي ليست متيقنة لكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها لابد للإنسان أن يعرف أسباب التوكل فيها، مثلاً : من يفارق الأمصار ويخرج مسافراً إلى البراري والبوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادراً، ولا يستصحب معه شيء من الزاد ويقول : أنا متوكل، فهذا كالمجرب على الله –تعالى- وفعله منهي عنه، وحمله للزاد مأمور به، فإن النبي –r- لما سافر من مكة إلى المدينة في الهجرة تزود واستأجر دليلاً يدله إلى المدينة .
الدرجة الثالثة والمعنى الثالث لهذا النوع : ملابسة الأسباب التي يُتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة، في تفصيل الاكتساب، فمتى كان قصده صحيحاً وفعله لا يخرج عن الشرع لم يخرج عن التوكل، لكنه ربما دخل في أهل الحرص إذا طلب فضول العيش، وترك التكسب ليس من التوكل في شيء، وإنما هو من فعل البطّالين الذين آثروا الراحة وتعللوا بالتوكل، قال عمر –t- : المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله .
الأمر الثاني : التعرض للأسباب بالادخار، يعني الشيء موجود لكن يحتاج إلى حفظ، من وجد قوتاً -مثلاً- حلالاً يشغله مثله عن جمع هذا الأمر لأهله فادخاره من أجل هذا الغرض لا يخرجه عن التوكل، خصوصاً إذا كان له عائلة فيقول : أدخر هذا الشيء للمستقبل من أجل عائلتي التي أنا أؤولها فهذا ليس فيه شيء، جاء في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب –t- أن النبي –r- كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم ([1]) .
الأمر الثالث : مباشرة الأسباب الدافعة للضرر، فليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة أو مجرى السيل أو تحت جدار الخراب ويقول : أنا متوكل فكل ذلك منهي عنه، وكذلك لا ينقض التوكل لبس الدروع وما فيه وقاية للإنسان، إغلاق الباب شد البعير –مثلاً- بالعقال، إغلاق السيارة وعدم تركها مفتوحة كل ذلك لا ينقض التوكل، قال الله –تعالى- : { وليأخذوا أسلحتهم } .
جاء رجل إلى النبي –r- وقال : يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال: (( اعقلها وتوكل ))([2])  وعلى هذا قد يقول قائل : هل طلب الرزق من التوكل أو ينافي التوكل؟ والحقيقة أن السعي في طلب الرزق هو هم كثير من الخلق، فالصغير ينشده والكبير يطلبه، وأكثر هموم الحياة هو أحاديثها وأحداثها تدور في فلكه، والمؤمن الحاذق هو من يفوض أمر الرزق إلى الرازق، فالرزق ما كان لك منه أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك، فلا تضيع زمانك بهمك بما ضُمن لك من الرزق، فمادام الأجل باقياً كان الرزق آتياً، قال I : {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } ولذا قال بعض السلف : توكل تسق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكل، وعلى العبد أن يقنع بما أعطاه الله من الرزق، يقول عمر بن عبدالعزيز : بين العبد وبين رزقه حجاب فإن قنع ورضيت نفسه أتاه رزقه، وإن اقتحم وهتك الحجاب لم يزد فوق رزقه، لأن الأرزاق كالآجال، ما كان مكتوباً منها للإنسان فسيصل إليه .
الأمر الرابع : السعي في إزالة الضرر الذي يقع على الإنسان، كمداواة المريض ونحو ذلك، الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى أقسام ثلاثة :
إلى أمر مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، فهذا القسم ليس تركه من التوكل في شيء .
القسم الثاني أو النوع الثاني : أن يكون مظنوناً كالفصد والحجامة وشرب المسهل ونحو ذلك فهذا لا يناقض التوكل، فإن الرسول –r- قد تداوى وأمر بالتداوي، وقد تداوى خلق كثير من المسلمين وامتنع عنه أقوام توكلاً، كما روي عن الصديق أبوبكر –t- أنه قيل له : ألا ندعو لك طبيباً ؟ فقال : رآني الطبيب، قيل : فما قال لك ؟ قال : إني فعال لما أريد، لكن التداوي أفضل، ويُحمل حال أبي بكر –t- أنه قد تداوى ثم أمسك بعد انتفاعه بالدواء، أو يكون قد علم قرب أجله بأمارات، ثم إن الأدوات والأدوية أسباب مسخرة –بإذن الله تعالى- .
القسم الثالث : أن يكون السبب موهوم ليس مقطوعاً به وليس مظنوناً الشفاء بسببه، إنما يكون موهوماً كالكي، فيخرج عن التوكل؛ لأن النبي –r- وصف المتوكلين بأنهم لا يكتوون، وقد حمل بعض العلماء الكي المذكور في قوله : (( لا يكتوون )) ([3]) على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، في الجاهلية كانوا يكتوون ويسترقون في زمن العافية ليس في زمن المرض، في زمن العافية لئلا يمرضوا، فإن النبي –r- كان يرقى الرقية بعد نزول المرض وليس قبله، وقد كوى أسعد بن زرارة –t- . وأما شكوى المريض فهي مخرجة عن التوكل، يكون المريض يشتكي ويخبر عن حاله مرضاً فقد تُخرج عن التوكل، وكانوا يكرهون أنين المريض؛ لأنه يترجم عن الشكوى، فكان الفضيل يقول : أشتهي مرضاً بلا عُواد، يعني بلا زوار لكي لا يُظهر لهم الحال التي عليها . وقال رجل للإمام أحمد : كيف أنت ؟ قال : بخير، قال : حممت البارحة ؟ أي أصابتك حمى، قال : إذا قلت لك : أنا بخير فلا تخرجني إلى ما أكره . فأما إذا وصف المريض للطبيب ما يجده فإنه لا يضره، وقد كان بعض السلف يفعل ذلك ويقول : إنما أصف قدرة الله فيّ، ويُتصور أن يصف ذلك لتلميذ يقويه على الضراء ويرى ذلك نعمة، فيصف ذلك كما يصف النعمة شكراً لها، ولا يكون ذلك شكوى، فقد قال النبي –r- : (( إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ))([4])  فقد أخبر النبي –r- عن حاله التي عليها في المرض، المهم أنه يحب أن يكون معتمداً على الله –U- ويجب أن يكون قلبه معتمداً على الله –I- لا على الأسباب . نجد أن النبي –r- في حديث شريف أرشد إلى أمر غاية في الأهمية، إذا تدبره العبد وعمل بما فيه فإنه سينظر إلى الحياة نظرة صحيحة متوازنة، وبالتالي يسعد في دنياه ويكون بذلك سبباً لسعادته في الآخرة . من نظر إلى من دونه في الدنيا امتلأ قلبه غنى من الحياة، يقول النبي –r- : (( انظروا إلى من هو دونكم في الدنيا وانظروا إلى من فوقكم في الدين ))([5]) فإذا نظر العبد إلى من هو دونه في الدنيا عرف وأدرك فضل الله –U- عليه، وكيف فضّله على كثير من الخلق، ويؤدي ذلك إلى أن يشكر الله –I- على النعم التي أولاها إليه، وإذا نظر إلى من هو فوقه في الدين عرف تقصيره وتفريطه وإهماله فدعاه ذلك إلى أن يتوب إلى الله –U-، وأن يراجع نفسه وأن يتدارك ما فاته من أمر هذا الدين طالما في الحياة متسع لذلك، فهذا الحديث ميزان عظيم يزن به العبد تصرفاته في الحياة الدنيا، فينظر إلى من هو دونه في الدنيا وينظر إلى من هو فوقه في الدين؛ ليعرف عظيم الحال الذي هو عليه من ناحية، والتقصير الذي هو عليه من ناحية أخرى، فعلى العبد أن يكون متوكلاً على الله –U- في طلب الرزق بقلبه، ساعياً له بجوارحه مع الاعتماد على الخلاق الكريم، وإياك يا عبدالله والحرص على تحقيق أملك من الحياة فإن ذلك قد يخرجك من طور التوكل، فتحرص على تحصيل المرام وتعتمد على الأسباب دون التفويض بالقلب، والله –جل وعلا وعز- إذا أغلق عليك بحكمته طريقاً من طرقه فتح لك برحمته طريقاً أنفع لك منه، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله –U-، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يده، فيحسن الظن بالله –U- ويحسن التوكل على الله –U-، مع الأخذ بالأسباب المباحة فإنه يجمع بين طلب الرزق، وأيضاً الاعتماد على مسبب الأسباب الرزاق العليم الكريم الذي هو الله –I-، وبذلك يظهر أن عمل العبد وكسب العبد بجوارحه مع الاعتماد على خالقه –I- لا ينافي التوكل، بل هو من التوكل على الله –U- .
أحسنتم . بارك الله فيكم . بما أن التوكل على الله بهذه المنزلة وبهذه الأمور لاشك أن له ثمرات وفوائد، فهلاّ بينت لنا فضيلة الأستاذ بعض ثمرات التوكل على الله –تبارك وتعالى-؟
لاشك أن ثمرات التوكل على الله كثيرة : منها أن التوكل على الله –U- فيه راحة للبال، واستقرار في الحال ودفع كيد الأشرار، وبالتوكل تستغني النفس، أما في أيدي الناس قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- : وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، ومن فوض أمره إلى من مولاه حاز مناه . وزكريا –عليه السلام- بلغ من الكبر عتياً ثم وُهب سيداً من فضلاء البشر وأنبيائهم، وإبراهيم بُشّر بولد وامرأته تقول بعد يأس من حالها : قالت يا {ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب}، وترك الخليل هاجر وابنه إسماعيل بواد لا زرع فيه ولا ماء، فإذا هو نبي يأمر أهله بالصلاة والزكاة . فعلى العبد أن يلقي كنفه بين يدي الباري -I- وأن يُعلق رجاءه به ويسلم الأمر للرحيم، ويقطع العلائق عن الخلائق، ولا يرجو إلا الله –U-، إذا قوي التوكل والرجاء وجمع القلب في الدعاء، يعني بين التوكل والرجاء لم يُردّ النداء، { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون } فيلجأ العبد إلى الله –U- بقلب خاشع ذليل يُفتح له الأبواب، وتزال عنه جميع ما ينغصه من الأسباب .
أحسنتم . بارك الله فيكم . فضيلة الشيخ ونحن على ختم حلقتنا هذه نود من كلمة نختم بها في هذا الموضوع تنفع السامعين فتفضلوا بارك الله فيكم ؟
مما يحسن أن يختم به في هذه الحلقة ونرجو الله –I- أن تكون مباركة هو حسن الظن بالله –U-، التفاؤل هو حسن ظن العبد بالله –U-، النبي –r- كان يعجبه ذلك، قال عليه الصلاة والسلام : (( يعجبني الفأل، قالوا : وما الفأل يا رسول الله ؟ قال : الكلمة الطيبة ))([6])  المؤمن مأمور بحسن الظن بالله على كل حال، والتشاؤم سوء الظن بالله –I-، وإذا زاد إيمان العبد حسن ظنه بربه، وإذا نقص إيمانه بربه ساءت ظنونه بخالقه، فمن ظن أن الله لا ينصر عباده الموحدين ولا يعليهم وأن الله لا يُظهر دينه، أو ظن أنه ينال بما عند الله بمعصيته ومخالفته كما ينال بطاعته والتقرب إليه، أو ظن أنه إذا ترك شيئاً من أجله لم يعوضه الله خيراً منه، أو ظن أنه من فعل شيئاً لأجله لم يعطه أفضل منه، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة وتضرع إليه وسأله واستعان به وتوكل عليه أن يخيبه ولا يعطيه ما سأله، أو ظن أن الكرم طريق إلى الفقر، أو ظن المتصدق أن المال ينقص بالصدقة، أو ظن أن الله لا يخلف عن صدقته مالاً، أو ظن أن التمسك بهذا الدين لا يعلي شأنه، ولا يعلي شأن صاحبه، فمن ظن شيئاً من ذلك فقد ظن بالله ظن السوء، ووقع فيما نهى الله عنه، فليعتنِ اللبيب الموفق الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله –تعالى- ويستغفر كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل سوء، ومنبع كل شر، فيجب على المسلم أن لا يظن بربه ظن السوء، وأن يحسن ظنه بربه في كل شأنه، فليتوكل العبد على الله –U- وليحسن الظن بالرب –I- ليسعد في الدنيا والآخرة .
جزاكم الله خيراً . وبارك الله فيكم فضيلة الأستاذ على ما بينتم وذكرتم . أيها الإخوة المستمعون كنا في هذه الحلقة نتحدث مع فضيلة الأستاذ عبدالسلام بن سالم السحيمي عميد كلية الشريعة سابقاً وأستاذ الفقه بالدراسات العليا بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية وعضو مركز التميز البحثي في قضايا الفقه المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود وهو كذلك عضو جمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب . فجزاكم الله خيراً فضيلة الأستاذ على ما بينتم وأوضحتم .
أيها الإخوة في الله تحدثنا عن موضوع مهم ألا وهو : التوكل على الله –تبارك وتعالى- آملين أن نلقاكم في حلقات أخرى نتكلم عن موضوعات مهمة في مسائل العقيدة، فإلى ذلك الحين نستودعكم الله –تبارك وتعالى- وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .




([1]) رواه البخاري برقم (5357).
([2]) رواه الترمذي برقم (2517).
([3]) رواه البخاري برقم (5705)، ومسلم برقم (371 ).
([4]) رواه البخاري برقم (5660)، ومسلم برقم ((2571).
([5]) رواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (1107).
([6]) رواه البخاري برقم (5756) ومسلم برقم (2224)

ليست هناك تعليقات: