P
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على عبدالله ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد :
مستمعي الكرام السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في برنامج : مسائل في العقيدة، في هذه الحلقة
نتكلم عن مفهوم العبادة، وضيف حلقتنا هو فضيلة الشيخ : عبدالقيوم بن محمد بن ناصر
السحيباني المحاضر بقسم فقه السنة بكلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة فأهلاً وسهلاً بكم فضيلة الشيخ .
أهلاً وسهلاً وحياكم الله .
في بدء حلقتنا هذه نود من فضيلتكم أن
تبينوا لكم معنى العبودية وما أهمية ذلك ؟
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب
العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
في هذه الحلقة المباركة سيكون الحديث –كما
تفضلتم- عن مفهوم العبادة، هذا الموضوع أهميته عظيمة من حيث أنه الغاية التي من
أجلها خُلقنا { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ومن المعلوم أن الأمر الذي
يتعلق بالغايات والنهايات يكون في غاية من الأهمية، فإنه لا يستكثر أي وقت أو جهد
يُبذل فيه، فمهما بذل الإنسان في فهم هذا الأمر وفي تحقيقه فإنه لن يكون كثيراً
عليه؛ لأن هذا الأمر هو الغاية التي لأجلها خلق الله –U-
الخلق، وهنا أنبه لأمر وهو أن حديثنا عن هذا الموضوع لن يكون من جهة تعريف العبادة،
فقد عرفها العلماء بأنها : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال
الباطنة والظاهرة، فليس حديثنا عن مفردات العبادة وما يدخل في هذا الاسم، بل كذلك
لن يكون عن شرطي العبادة، فالعبادة لا تُقبل إلا بشرطين : الإخلاص والمتابعة، لكن
الحديث هنا سيكون عن الأصلين اللذين تُبنى عليهما العبادة، فالعبادة مدارها على
أصلين : حب كامل، وذل كامل، لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلابد أن
يكون العابد محباً للإله المعبود كمال الحب، ولابد أن يكون ذليلاً له كمال الذل،
فمن أحب شيئاً ولم يذل له لم يعبده، ومن خضع له ولم يحبه لم يعبده، وكمال الحب
والذل لا يصلح إلا لله وحده فهو الإله المستحق للعبادة التي لا يستحقها إلا الله –جل
علا-، يقول شيخ الإسلام –رحمه الله- ابن تيمية قال : العبادة اسم جامع لغاية الحب
لله وغاية الذل له، ويقول كذلك رحمه الله : العبادة تتضمن كمال الحب ونهايته وكمال
الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعظم ولا يُذل له لا يكون معبوداً، والمعظم الذي
لا يُحب لا يكون معبوداً .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . بما أن
العبودية لها هذه الأهمية إذاً ما هي ثمرة العبودية على حياة المسلم ؟
أحسنت . أثابك الله . هذا الأمر العظيم
العبودية، عبودية الله -U- إذا حققه المسلم
على الأصلين اللذين سبقت الإشارة إليهما إذا بنى سلوكه إلى الله -تعالى- على هذين
الأصلين فإن الله –تعالى- يحفظه، فلا يظفر عدوه به إلا على غرة وغفلة، وما أسرع ما
يتداركه الله –U-
برحمته فيفيق ويرجع إلى الله، فيشمله قول الله -تعالى- : { إن عبادي ليس لك عليهم
سلطان } ويدخل في قول الله –جل وعلا- : { أليس الله بكاف عبده } فالكفاية التامة
مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، يقول ابن القيم -رحمه الله- : الكفاية
التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن
وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وهؤلاء هم عباد الله الذين ليس لعدوه عليهم
سلطان، فإن العارفين بالله كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكلك الله -تعالى-
إلى نفسك، والخذلان أن يكلك إلى نفسك -نسأل الله السلامة والعافية- .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . هل لكم أن
تبسطوا لنا القول في الأصل الأول وهو الحب الكامل ؟
نعم . ذكرنا أن العبادة مدارها على
أصلين : الأول منهما : حب كامل . الله –جل وعلا- هو الذي يجب أن يُحب أكمل محبة {
والذين آمنوا أشد حباً لله } أصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون
الحب كله لله فلا يُحب معه سواه، وإنما يُحب لأجله وفيه.
المحبة هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين،
ومدار السعادة والنجاة، قال ابن القيم -رحمه الله- : ولهذا كان أعظم صلاح العبد
أن يصرف قوى حبه لله كلها وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه، فيوحد
محبوبه ويوحد حبه.
وهذا الأصل العظيم محبة الله كيف ينشأ
عند المسلم ؟ ينشأ بمشاهدة المنة التي تورث المحبة لله –U-،
بمعنى أن العبد يتذكر في أوقاته نعم الله –U-
عليه، فإذا تذكر نعم الله –U- عليه أورثه ذلك
محبة لله –U-
{ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } ولذلك ينبغي للمسلم دائماً أن يتذكر نعمة الله –U-،
يتذكرها بقلبه وبلسانه يقول : أن الله أنعم عليّ بكذا وكذا وكذا، وللأسف الآن ترى
الناس يذكرون المصائب، ويذكرون ما يحصل لهم من نواقص ولا يتذكر النعم، وينبغي أن
نُذكر بعضنا بعضاً بنعم الله علينا لتزداد محبة الله –U-
في قلوبنا وتعظيمه .
أحسنتم . لكن فضيلة الشيخ كل مسلم يزعم
أنه يحب الله -U- الحب الكامل، فهل
هناك أدلة أو براهين يستطيع بها المسلم أن يعرف أنه حقق هذه المحبة ؟
نعم . كما ذكرتم -حفظكم الله- يعني كل
مسلم لو سألته هل تحب الله –U- ؟ يقيناً سيقول :
نعم أحب الله –U-،
هذه أمر فُطر عليه المسلمون جميعاً، وكلهم يتشرف بهذا الأمر وينتسب إلى هذه الخصلة
الشريفة، لكن يبقى البرهان.
فالمحبة إذا استقرت في القلب فإنها تقتضي أمور :
تقتضي أن يكون حب الله –تعالى- مقدماً عند العبد على جميع المحبة، بمعنى أنه إذا
تعارض ما يحبه الله وما يحبه غيره، ننظر إن قدم العبد ما يحبه الله على ما يحبه
غير الله كان ذلك علامة خير، وإن كان العكس قدم العبد ما يحبه غير الله على ما يحبه
الله ففي محبته نقص، يقول ابن القيم –رحمه الله- : وما أسهل هذا بالدعوى وما أصعبه
بالفعل، فعند الامتحان يُكره المرء أو يهان، ما أكثر ما يُقدم العبد ما يحبه هو
ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه وأهله على ما يحبه الله –تعالى-، فهذا لم يتقدم
حب الله –تعالى- في قلبه على جميع المحاب، ولا كان هو الملك عليها وسنة الله –تعالى-
في من هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئاً منها إلا بنكد
وتنغيص جزاء له على إيثاره هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على ما يحبه الله –تعالى-،
وقد قضى الله -تعالى- قضاءً لا يرد ولا يُدفع أن من أحب شيئاً سواه عُذب به ولابد،
فالإنسان إذا أذن المؤذن لصلاة الفجر في الليالي الباردة الشاتية النفس تحب النوم،
والله -U-
يحب لك أن تقوم للصلاة، والنفس تريد النوم، والمنادي يقول : الصلاة خير من النوم،
فهنا العبد إذا قام من فراشه مع أن نفسه تحب النوم فليعلم أن فيه الخير، فإن غلبته
نفسه ونام فيعلم أن في محبته نقص .
كذلك من لوازم المحبة ومن علاماتها : أن
يحب للإنسان ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه، فالمسلم ويدعي ويزعم أنه يحب الله –تعالى-،
فإذا كان كذلك فإنه ينبغي أن يحب ما يحبه الله ويكره ما يكرهه الله، حقيقة المحبة
لا تتم إلا بموافقة المحبوب في حب ما يحب وبغض ما يبغض، قال ابن رجب –رحمه الله- :
قول لا إله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه، فإن الإله هو الذي يطاع ولا يعصى محبة
وخوفاً ورجاءً، ومن تمام محبته محبة ما يحبه، وكراهية ما يكرهه، فمن أحب شيئاً مما
يكرهه الله أو كره شيئاً مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله إلا
الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه
الله، قال الله –تعالى- : {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط
أعمالهم } .
فهنا أنبه إلى أمر خطير وهو فرق بين أن
يترك الإنسان هذه الطاعة أو هذه القربة وبين أن يبغضها فرق بينهما، مثلاً : بعض
الناس قد يقصر مثلاً في الثوب فيسبل هذه معصية، لكن أن يكره السنة رفع الثياب يحصل
في قلبه شيء لبغض هذا العمل مثل هذه السنن، فينبغي أن يعلم أنه على خطر، وأن الأمر
هنا خطير، فليست بغض الشيء الذي جاء عن الله فيبغض طاعة من الطاعات وقربة من القرب
التي ثبتت أنها من الدين فهذا الأمر خطير جداً ينبغي للمسلم أن يحذر منه، وبين أن
يخالف، المخالفة هنا معصية، أما أن يحصل في قلبه بغض لهذه العبادة فإن الأمر خطير،
أو عكس ذلك أن يحب بعض ما حرمه الله .
فضيلة الشيخ بعض الناس يقول على وجه
الجزع لماذا الله –تبارك وتعالى- فرض علينا كذا، ولماذا حرم علينا كذا، ويتمنى هذه
المعصية يحبها أو يبغض هذه الطاعة، هذا يخل في محبته لله ؟
المقصود هنا بغض العبادة بذاتها، مثل
بعض الناس يكره حجاب المرأة لا يريد المرأة تتحجب، هذا هو الأمر الذي قلنا إنه
خطير، أما ما يحصل من في القلب أحياناً من استثقال العبادة، النبي –r-
يقول في الحديث في صحيح مسلم في حديث أنس : (( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار
بالشهوات ))([1]) فليس هذا هو المراد، فالنفس لاشك تجد شيئاً من
المشقة حتى ما يسموها تكاليف شرعية، يعني عندما يستيقظ لصلاة الفجر يتوضأ بالماء
البارد فيه شيء من المشقة، لكن هذا ليس هذا هو المراد، المراد الكره الذي يكون في
القلب لعبادة أو محبة لمعصية، فهذا هو الذي نحذر منه، كلمة عن الحسن –رحمه الله-
الحسن البصري يقول : اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته، فهذا دليل المحبة،
المسلم عندما يذكر هو ويقول بلسانه هذا كل مسلم يقول أنه يحب الله –تعالى- . من
لازم المحبة أن تحب ما أحبه الله وأن تبغض ما أبغضه الله .
أحسنتم . فإذا استقرت هذه المحبة في قلب
المسلم لاشك أن لها ثمرات في حياته وسلوكه، فلو بينتم لنا تلك الثمرات ؟ جزاكم
الله خيراً .
نعم . أحسنتم . أثابكم الله . ثمرات
المحبة هذه المحبة إذا استقرت في قلب المسلم فإنها ستكون هي أقوى الأسباب في الصبر
عن مخالفة الله ومعصيته، فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب
كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية المخالفة من ضعف
المحبة وسلطانها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من صوته وعقوبته وبين
من يحمله على ذلك حبه لسيده، ولهذا انظر قول عمر -t-
، عمر بن الخطاب يقول : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، كلمة قاله عمر –t-
للصحابي الجليل صهيب الروم يقول: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، يعني أنه
لو لم يكن في قلبه من الخوف ما فيه لكان مع ذلك ممتنعاً عن معصية الله محبة لله،
فإذا وُجدت المحبة في القلب -في قلب العبد- فإنه ينشرح صدره للإيمان ويتلذذ
بالطاعة ويتحمل المشاق في الدين، لأن من أحب أمراً سهل عليه، فكذا المسلم إذا
امتلأ قلبه محبة لله –U- سهلت عليه الطاعات،
طاعات الله –تعالى- وتلذذ بها، فيؤديها منشرح الصدر فرح بها مسرورا، وإذا أدى
العبد العبادة على هذا الوجه وجد لها أثراً عظيماً في نفسه، حتى يصل إلى درجة أرحنا
بالصلاة، النبي –r- عندما يجد مشقة
وعناء وتعب في هذه الدنيا ماذا يفعل ؟ يلجأ إلى الصلاة، أرحنا بالصلاة، بخلاف
للأسف من يقول : أرحنا منها بعض الناس يريد أن ينقر الصلاة وكأنها ثقل يعني يلقيه
عن كاهله يقول ابن القيم –رحمه الله- : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله
روحه- يقول : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، أي اتهم العمل فإن
الرب -تعالى- شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا، من حلاوة
يجدها في قلبه، وقوة انشراح، وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول ، وهذا الذي
ذكره شيخ الإسلام هو الذي يسميه العلماء جنة الدنيا، إن في الدنيا جنة من لم
يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، هذا هو التتلذذ بالعبادة وانشراح الصدر أن يؤدي المسلم
العبادة وهو يتلذذ بها منشرحاً لهذه العبادة يعلم عن يقين أنه هو المنتفع
والمستفيد بها .
معنى ذلك أن هذه الحلاوة قائمة على حب
ما يجد العبد لذة العبادة إلا إذا حقق ل المحبة ؟
نعم ، وهذه من ثمرات المحبة التعبد
بالحب لله –U-،
فيحب الله ويحب الطاعة، حضرته الصلاة أحبها، كذلك في العبادة الأخرى أداء الزكاة
الصوم، فالمسلم عندما يفرح بالعبادة ويؤديها محباً لها يجد هذا الأثر العظيم في
نفسه .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . فضيلة
الشيخ هل هناك أمثلة واقعية في حياة الإنان أو في حياة المسلم تبين لنا أثر هذه
المحبة ؟
لعلي في إذا أردنا أن نبين أثرها على أرض
الواقع وكيف تؤثر على المسلم في حياته أذكر لك مثالين، كلاهما وقع في عهد النبوة :
المثال الأول : أخرجه الإمام أبو داود
في سننه ([2]) من حديث أبي بن كعب،
اسمع إلى هذه القصة التي وقعت في مدينة رسول الله -r-،
يقول أبي بن كعب : بعثني النبي -r- مصدقاً، يعني ساعٍ
يجمع الصدقات من بوادي ونواحي المدينة، يقول أبي : فمررت برجل، فلما جمع لي ماله
لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له : أدِ ابنة مخاض فإنها صدقتك، وبنت مخاض
في الزكاة هي أقل ما يجب، فزكاة الإبل تبدأ بالغنم في كل خمس شاة، ثم إذا بدأت
الزكاة بالإبل بعد الخمس والعشرين ففيها بنت مخاض، يعني هي أقل شيء، الرجل الآن
لما قال له أبي : الواجب عليك بنت مخاض ماذا قال ؟ هل قال والله فرح قال : الحمد
لله ما كلفتونا، بنت مخاض سهلة يسير خذ بنت مخاض، الرجل صار يتعامل بطريقة أخرى
يفكر بطريقة أخرى، الآن أبي من هو في هذا الموضع لاحظ معي أن أبي هنا هو من ؟ هو
رسول رسول الله –r-، بمعنى أن كلامه
وقوله مقبول بإطلاق؛ لأن النبي –r- هو الذي أرسله،
الرجل ما خفي عليه هذا الأمر، لكن الرجل يفكر بطريقة أخرى، لما قال له أبي : أدِ
ابنة مخاض تعجب، قال : ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، يعني بنت مخاض صغيرة ما يُركب
لأنها صغيرة، وليس فيها لبن لم يترك الفحل، فإذاً ماذا تفعل في هذا الزكاة ؟ ثم
نظر الرجل في إبله فرأى ناقة فقال : هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، يبحث عن
أفضل ناقة في إبله وقال لأبي : خذ هذه بنت مخاض صغيرة، أبي –t-
امتنع قال : لا آخذ إلا ما أمرني به النبي -r-،
الآن أصبحت مشكلة، لاحظ مشكلة بين الرجل وبين أبي –t-
في ماذا ؟ الرجل ماذا يريد ؟ يريد أن يدفع أكثر، وأبي –t-
جاء بحل اقتراح قال له : هذا رسول الله -r-
في المدينة فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فإن قبل منك قبلناه، انظر
إلى هذا الاقتراح ، يقترح عليه ماذا ؟ يقترح عليه أن يذهب إلى المدينة من أجل ماذا
؟ من أجل أن يدفع أكثر مما وجب عليه، هل قال الرجل وأقنعه، يعني على قول الناس
الآن ماني فاضي، مشغول، عندي إبلي وأهلي وأولادي ثم : لماذا أذهب إلى المدينة،
تريد أن تأخذ الناقة خذها لا تريد أن تأخذها ماذا أفعل، يعني هذا الرجل ما فكر
بهذا الأسلوب، نحن قد نفكر بهذا الأسلوب لماذا نذهب إلى المدينة لكي أعطيكم أكثر،
لما ذكر له هذا الاقتراح قال الرجل : نعم إني فاعل، فذهب الرجل واسمع كيف دخل على
النبي -r-
وكيف خاطبه ؟ قال : يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله -يقسم
الرجل- وأيم الله يقسم الرجل ، ما قام في مالي رسول الله –r-
ولا رسوله قط قبله، يعني يقول ماذا ؟ يقول : أول مرة تأخذون الزكاة، وأنا أستحي أن
أقدم هذه بنت مخاض صغيرة ما تجمل، ويلح يعني لاحظ النبي –r-
طمأنه لما ذكر له أن أبي طلب منه بنت مخاض قال له النبي -r-
: (( ذاك الواجب عليك ))، يعني ماذا ؟ يعني أن أبي لم يخطئ، ما ذكره لك أبي صحيح،
هل الرجل قال : طيب حبيت أن أتأكد، ماذا
قال ؟ قال النبي –r- بعد ذلك: (( فإن
تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك ))، فقال الرجل : نعم، هاهي ذه، لاحظ لما
جاء لم يترك الناقة في باديته، أخذها معه إلى المدينة، وجاء بها حتى وصل بها إلى
المسجد قال : هاهي ذه فخذها يا رسول الله قد جئتك به، تلاحظ أن الرجل يلح إلحاح
عجيب في ماذا ؟ لم هذا الإلحاح؟ في دفع أكثر مما طُلب منه؛ لأنه يعلم عن يقين أن
العبادة هو المنتقع منها المسلم يستفيد منها، الله غني عن عباداتنا وطاعاتنا
وأموالنا، لكن نحن الذي نستفيد، فالرجل كان يشعر بهذا فما يريد أن يُقَرب إلا
شيئاً يكون عظيماً، النبي –r- قبل منه ودعا له
بالبركة، وانظر إلى بركة الزكاة، دارت الأيام يقول أبي : وجاء عهد معاوية فولى
مروان بن حكم المدينة يقول : فبعثني فمررت بهذا الرجل فجمع لي ماله فإذا الواجب
عليه ثلاثون حقة، حقة هي أعلى ما يجب في الزكاة، لها ثلاث سنوات ودخلت في الرابعة،
يعني عن كم ؟ عن ألف وخمسمائة بعير، انظر بركة الزكاة في الدنيا فكيف يكون أجرها
وثوابها في الآخرة .
موقف آخر كذلك في السنن النسائي قصة رجل
أسلم حديثاً، يقول الراوي شداد بن بن الهاد يقول : أن رجلاً من الأعراب جاء إلى
النبي –r-
فآمن به واتبعه، ثم هاجر معه، فكانت غزوة فغزا الرجل مع النبي -r-
فغنم النبي -r-
بعض الغنائم، فقسم لأصحابه وقسم لهذا الرجل، كان الرجل يرعى ظهر أصحابه، فجعل
النبي –r-
ما قسمه له عند أصحابه، فلما جاء الرجل رأى المال فسأل أصحابه قال : ما هذا ؟
قالوا : قسم قسمه لك النبي -r-، الآن يا شيخ
عبدالرحمن إذا كان النبي –r- هو الذي قسم، فمعنى
ذلك ماذا ؟ حلال بين ما فيها إشكال، لكن الرجل يفكر هو يعيش في عالم آخر، ليست
المسألة الآن عنده حلال أو حرام، قالوا : قسمه لك النبي –r-،
فذهب، وأخذ المال فذهب به إلى النبي –r-
وجاء إلى رسول الله –r- قال : ما هذا ؟ قال
: (( قسم قسمته لك ))، فقال الرجل : ما على هذا اتبعتك، لكن اتبعتك على أن أُرمى
هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي -r-
: (( إن تصدق الله يصدقك )). لاحظ هنا أن هذه الكلمة من النبي -r-
ليس فيها مدح للرجل ولا ذم له، يعني النبي -r-
هنا قعد قاعدة وهي : إن تصدق -هذه القاعدة- إن تصدق الله يصدقك، لبثوا قليلاً ثم
نهضوا لقتال العدو، فأوتي النبي -r- بهذا الرجل يُحمل
قد أصيب حيث أشار، فسأل النبي -r-
أصحابه قال : (( أهو هو ؟ )) قالوا : نعم هو، قال النبي -r-
وانظر كيف قال في المرة الثانية ؟ قال : (( صدق الله فصدقه ))، ما الذي حصله الرجل
في هذا الأمل ؟ كفنه النبي -r- في جبته وانظر كيف
دعا له، قدمه النبي -r- وصلى عليه فكان
فيما ظهر من صلاته من دعائه r أنه قال : (( اللهم
هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك ))([3]) .
أحسنتم . جزاكم الله خيراً . وبارك الله
فيكم . كلام ممتع وفوائد شتى، ولكن وقت الحلقة يضيق عن استكمال بقية الموضوع، ونحن
لازلنا في الأصل وهو الحب الكامل على أن يكون –إن شاء الله- لنا حلقة أخرى عن
الأصل الثاني وهو الذل التام، نشكر فضيلتكم على جهدكم المبارك وعلى استجابتكم
لدعوة البرنامج، آملين من فضيلتكم أن تكلموا لنا الموضوع في حلقة أخرى، وجزاكم
الله خيراً .
أنا أشكركم وأثابكم الله على إتاحة
الفرصة، لعله أن ييسر فرصة أخرى نكمل فيها الموضوع .
مستمعي الكرام في ختام حلقتنا هذه
نستودعكم الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين .